الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٢٣
النبي الأكرم، لم يَرَ بدّاً من اللجوء إلى مقاييس وقواعد ظنية ما أنزل الله بها من سلطان، كالقول بالقياس والاستحسان والاستقراء، وغيرها من الظَّنِّيات الّتي نَهَى الشارع المقدس عن التعبد بها في مجال العبودية، بقوله: (قُلْ اَللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)؟[١].
هذا، وإنّ الأحاديث الإسلامية في مجال الأحكام الفرعية، الواردة عن طريق الصحابة، المنتهية إلى النبي الأكرم، لا تتجاوز خمسمائة حديث، تَمُدّها أربعة آلاف[٢].
ومن المعلوم أنّ هذا المقدار من الأحاديث لا يفي بحاجات المجتمع البشري إلى يوم القيامة، وهذا يعرب أنّ الرسول لم يترك الأُمّة سدى، ولم يدفعهم إلى العمل بمقاييس ظنية لا دليل عليها، وإنّما عالج هذه لناحية الحيوية بالأمر بالرجوع إلى عترته الطاهرة.
إنّ من المؤسف جداً، رفضَ الروايات المروية عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، الذين اعترف القريب والبعيد بطهارتهم ووثاقتهم وعُلُوّ شأنهم، والأخذ بمقاييس ظنية، وإدارة رحى التشريع بها.
«وَدَعْ عَنْكَ نَهَباً صيح في حجراتِهِ».
٤ ـ تشريع الاجتهاد
المراد من الاجتهاد هو بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية عن مصادرها المعيّنة، وهو رمز خلود الدين وبقاء قوانينه، لأنّه به تحفظ غضاضة الدين وطراوته، ويصان عن الاندراس، وبالتالي يستغني المسلمون عن موائد الأجانب.
أمّا لزوم فتح هذا الباب، ولا سيما في العصر الحاضر فليس شيئاً يحتاج إلى
[١] سورة يونس: الآية ٥٩.
[٢] لاحظ الوحي المحمدي، لمحمد رشيد رضا، الطبعة السادسة، ص ٢١٢.