الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥١٨
العيش الاجتماعي، والحياة العائلية، وهذان الأمران من أُسس حياة الإنسان، ما برحت تقوم عليهما ـ في جملة ما تقوم عليه ـ منذ تكون الإنسان.
ومن المعلوم أنّ الحياة الاجتماعية والعائلية، ليستا غنيتين عن التشريع لتنظيمهما، فلو كان التشريع حافظاً لحقوق الأفراد، خالياً عن الظلم والجور، مبنياً على مِلاكات واقعية، يدوم هذا القانون، ما دام مرتكزاً على العدل والصلاح.
٤ ـ التشريع الإسلامي حريص جداً على صيانة الأخلاق وحفظها من الضياع والانحلال، وممّا لا يشك فيه أنّ الخمر والميسر، والإباحية الجنسية، ضربات تقصم ظَهْر الأخلاق وتقضي عليها، فالخمر يزيل العقل، والميسر يُنبت العداوة في المجتمع، والإباحية الجنسية تُفْسد الحرث والنسل، فالأحكام الراجعة إليها ثابتة دائماً.
وحصيلة البحث: أنّ تطور الحياة الاجتماعية في بعض نواحيها، لا يوجب أن يتغير النظام السائد على مقتضى الفطرة ولا أن تتغير الأحكام الموضوعة على طبق ملاكات واقعية من مصالح ومفاسد كامنة في موضوعاتها، فلو تغيّر لون الحياة في وسائل الركوب، والنقل، ومعدات التكتيك الحربي، و..، فإنّ ذلك لا يقتضي أن تنسخ أحكام الفطرة أو تنسخ حرمة الظلم، ووجوب العدل، ولزوم أداء الأمانة، والوفاء بالعهود والأَيْمان، إلى غير ذلك من الأحكام الراجعة إلى التحسين والتقبيح العقليين، الّتي يستقل العقل ببقاء أحكامهما ما دام الموضوع موضوعاً.
أجل، إنّ تقلب الأحوال، وتحوّل الأوضاع الاجتماعية يتطلب تحولاً في السنن والأنظمة، وتبدّلاً في الأحكام والقوانين، غير أنّه لا يتطلب تحوّلاً فيما يمسّ واقعية الإنسان الثابتة في جميع الظروف، كما لا يتطلب تحوّلاً في القوانين الكونية الّتي تدير الكون بأُصولها الثابتة، فلا تتغير النسب الرياضية، ولا القواعد الهندسية، وإن تطورت الأوضاع وتحولت[١].
[١] قد مضى عند البحث في الشاهد الخامس من شواهد إعجاز القرآن الكريم، وهو اتقان التشريع والتقنين، ما يفيدك، فراجع.