الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥١٣
ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يَقظَة في الأبصار والأسماع والأَفئدة، يُذَكِّرونَ بأَيّام الله، وَيخُوِّفونَ مَقامَةُ، بِمَنْزلَةِ الأَدلّةِ في الفَلَواتِ... إلى أن قال: وإِنّ للذِّكْرِ لأَهلاً أَخذُوه من الدُّنيا بَدَلاً فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تجارةٌ ولا بيعٌ عنه يقطعون به أيام الحياة، ويهتِفون بالزواجر عن محارم الله، في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط، ويأمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة، وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك فكأَنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون..»[١].
وقد تربى في أحضان علي ـ عليه السَّلام ـ ، صفوة من رجال الخير، يُسْتَدَرّ بهم الغمام ويضنّ بهم الزمان، كزيد وصعصعة ابني صوحان، وأُوَيْس القَرَني، والأَصبَغ بن نُباتة، ورُشيد الهجري، وميثم التّمار، وكُميل بن زياد، وأشباههم، وكان هؤلاء مُثلاً للفضيلة وخزانة للعلم والأسرار، منحهم أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ من سابغ علمه، واستأمَنَهم على غامض أسراره، ممّا لا يقوى على احتماله غير أمثالهم، حتى زكت نفوسهم، وكادوا أن يكونوا بعد التصفية ملائكة مجردة عن النقائص، لا يعرفون الرذيلة ولا تعرفهم.
* * *
[١] نهج البلاغة، الخطبة ٢١٧.