الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٠٦
نبي الإسلام، لا يعني أنّ الأمم السالفة تفرّدت بها لفضيلة استحقتها دون الخلف الصالح، أو أنّ الأُمّة الإسلامية حرمت لكونها أقلّ شأناً من الأُمم الخالية، بل الوجه هو حاجة الأُمم السالفة إليها وغناء الأُمة الإسلامية عنها، لأنّ المجتمعات تتفاوت إدراكاً ورشداً فربّ مجتمع يكون في أخلاقه وشعوره كالفرد القاصر، لا يقدر على ان يحتفط بالتراث الّذي وصل إليه، بل يضيعه، كالطفل الّذي يمزق كتابه وقرطاسه، غير شاعر بقيمتهما.
ومجتمع آخر بلغ من القيم، الفكرية والأخلاقية والاجتماعية، شأواً بعيداً، فيحتفظ معه بتراثه الديني الواصل إليه، بل يستثمره استثماراً جيداً، وهو عند ذاك غني عن كل مروّج يروّجُ دينه، أو مُبَلِّغ يذكِّره بمنْسيِّه، أَو مُرَبٍّ يرشده إلى القيم الأخلاقية، أو معلّم يعلّمه معالم دينه، إلى غير ذلك من الشؤون.
فأفراد الأُمم السالفة كانوا كالقُصرّ، غير بالغين في العقلية الاجتماعية، فما كانوا يعرفون قيمة التراث المعنوي الّذي وصل إليهم، بل كانوا يلعبون به لعب الصبي في الكتاتيب، بكتابه أو قرطاسه، فيخرقه ويمزقه ولا يبقي شيئاً ينتفع منه إلى آخر العام الدراسي. ولهذا كان على المولى سبحانه أن يبعث في كل جيل منهم نبيّاً ليذكّرهم بدينهم، ويجدد به شريعة من قبله، ويزيل ما علاها من شوائب التحريف.
وأمّا المجتمع البشري بعد بعثة الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقد بلغ من المعرفة والإدراك والتفتّح العقلي شأواً، يتمكن معه من حفظ تراث نبيّه وصيانة كتابه عن طوارق التحريف والضياع، حتى بلغت عنايته بكتابه الديني إلى حدّ تأسيس علوم عديدة لفهم كتابه. فازدهرت، تحت راية القرآن، ضروب من العلوم والفنون. فلأجل ذلك الرشد الفكري، جعلت وظيفة التبليغ والترويج وصيانة التراث على كاهل نفس الأُمة، حتى تبوّأت وظيفة الرسل في التربية والتبليغ، واستغنت عن بعث نبي مجدد.
ولأجل ذلك يقول سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)[١].
[١] سورة آل عمران: الآية ١١٠.