الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٩٧
مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجًا وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ...)[١].
المهيمن هو الرَّقيب[٢]، فكتاب النبي الأكرم مهيمن على جميع الكتب النازلة من قبل وهو (مهيمناً عليه) متمم لقوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ). تتميم أيضاح، إذ لولاه لأمكن أن يتوهم من تصديق القرآن للتوراة والإنجيل أنّه يصدِّق ما فيهما من الشرائع والأحكام، تصديق إبقاء، من غير تغيير وتبديل، لكن توصيفه بالهيمنة يبين أنّ تصديقه لهما بمعنى تصديق أنّها شرائع حقّة من عند الله، وأنّ لله أن يتصرف فيها ما يشاء بالنسخ والإكمال، كما يشير إليه قوله ـ في ذيل الآية ـ: (وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ).
٢ ـ قال سبحانه: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَ عَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[٣].
وقوله: (وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ...)، يدلّ على إيصاد باب الوحي، وانقطاعه إلى يوم القيامة، وتمامية الشرائع النازلة من الله سبحانه، طوال قرون، إلى سفرائه.
والمراد من الكلمة، الشرائع الإلهية، كما في قوله (وَ صَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَ كُتُبِهِ)[٤]، ومعنى الآية: تمّت الشرائع السماوية بظهور الدعوة المحمدية، ونزول الكتاب المهيمن على جميع الكتب وصارت مستقرة في محلها، بعدما
[١] سورة المائدة: الآية ٤٨.
[٢] فعيل بمعنى فاعل، أي مراقب.
[٣] سورة الأنعام: الآيتان ١١٤ ـ ١١٥.
[٤] سورة التحريم: الآية ١٢.