الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٨٦
وتتضح دلالة الآية بنقل سبب نزولها:
تبنّى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، زيداً، قبل بعثته. وكان العرب يُنَزِّلونَ الأدعياء منزلةَ الأبناء في أحكام الزواج والميراث، فأراد سبحانه أن ينسخ تلك السنة الجاهلية، فأمر رسوله بتزوّج زينب، زوجة زيد، بعد مفارقته لها. فأوجد ذلك الزواج ضجة بين المنافقين، والمتوغلين في النزعات الجاهلية، فأخمد الله تعالى أصواتهم بقوله: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ)، أي من الذين لم يلدهم، ومنهم زيد، (ولكِنْ رَسولَ الله) وهو لا يترك ما أَمره الله به، (وخاتَمَ النَّبيينَ) أي آخرهم، ختمت به النبوة، فلا نبي بعده، ولا شريعة سوى شريعته، فنبوته أبدية، وشريعته باقية إلى يوم القيامة.
الخاتم وما يراد منه؟
الخاتم، بفتح التاء، كما عليه قراءة عاصم، أو بكسرها كما عليه الباقون، يدلّ على أنّ باب النبوة ختمت به. وذلك لأنّه على الكسر، اسم فاعل من ختم يختم، فهو خاتم، وعلى الفتح، يحتمل وجوهاً ثلاثة:
أ ـ إنّه اسم بمعنى ما يختم به، أي المختوم به باب النبوة، فوجوده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في سلسلة الأنبياء، كالختم والإمضاء في الرسائل. فكما أنّ الرسائل تختم في نهايتها، بالخَتْم والإمضاء، فكذا سلسلة الأنبياء ختمت بوجوده، فهو خاتم الإنبياء.
ب ـ إنّه فعل، «خَاتَمَ» كـ«ضارَبَ»، فهو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خَتَم بابَ النبوة.
ج ـ إنّه اسم بمعنى «آخر»، أي آخر النبيين ونهايتهم.
قال أبو محمد الدميري في منظومته:
والخاتِم الفاعِل قُل بالكسرِ * وما به يُختَمُ فتحاً يجري[١]
[١] التيسير في علوم التفسير، ص ٩٠.