الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٧٩
والجواب: إنّ الاستدلال نَجَمَ من الجمود على نفس الآية، والغفلة عما ورد حولها من الآيات. ومثل هذه الآية لا يصح تفسيره إلاّ على نمط التفسير الموضوعي، واستنطاق الآية بأُختها، وعرض البعض على البعض حتى يُهتدى إلى معالمها. وسيوافيك أنّ الآية ـ بقرينة الآيات الّتي تتلوها ـ بصدد تفنيد المزاعم الباطلة لليهود والنصارى، وليست بصدد إمضاء الشرائع السالفة، بعد ظهور النبي الأكرم، وإليك البيان.
١ ـ تفنيد فكرة الشعب المختار
كان اليهود والنصارى يتبنون فكرة الشعب المختار، فكل من الطائفتين تَدّعي أنّها أسْمَى بني البشر. وقد نقل القرآن الكريم هذه الفكرة السخيفة عن كلتا الطائفتين بقوله: (وَ قَالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصَارى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ...)[١].
فقوله: (فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ)، تفنيدٌ لهذا الزَّعم، وَيدُلُّ على أنّهم وغيرهم عند الله سواسية، فهو سبحانه يثيب المطيع، ويعذب العاصي.
وقد بلغت أنانية اليهود واستعلاؤهم الزائف حداً، تفوهوا بما يحكيه سبحانه عنهم بقوله: (وَ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً)[٢].
والقرآن يُفَنِّد هذا الزعم، بشكل الاستفهام الإنكاري، ويقول: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)[٣].
فهكذا، نستكشف من خلال هذه المزاعم وردودها أنّ اليهود كانوا ـ ولا يزالون ـ يَعُدُّون أَنْفُسَهُم صفوة البشرية، ونخبة الشعوب. وكانوا يحاولون بِمثل
[١] سورة المائدة: الآية ١٨.
[٢] سورة البقرة: الآية ٨٠.
[٣] سورة البقرة: الآية ٨٠.