الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٦٨
جانب عمّه أبي لهب وزوجته، وكان رسول الله يجاورهما، فلم يألُوَا جُهْداً في إزعاجه وإيذائه، فكم من مرّة أَلقيا الرماد والتراب على رأسه وثيابه، وكم من مرة نشرت أُم جميل الشوك على طريقه، أو جمعته خلف باب بيته لتؤذيه عند خروجه، ولأجل هذا الإيذاء، يخصُّ القرآن أبا لَهَب باللّعن، ويسميه وزوجته[١].
وكم تعرض أصحابه لألوان العذاب، كبلال الحبشي، وآل ياسر وغيرهم، الّذين هم رموز الصمود والمقاومة، وأوسمة الفخر والاستقامة. وقد قام عبد الله بن مسعود يوماً في المسجد، ورفع عقيرته بقراءة القرآن لإسماع قريش، فقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم * الرحمن * علم القرآن)، فلم تمهله قريش حتى قامت إليه تضربه حتى أدمي وجهه وجسمه، وهو مع ذلك مسرور لإسماعهم كتاب الله العزيز وآياته المباركات[٢].
* * *
القرينة السابعة ـ أثر رسالته في تغيير البيئة الّتي ظهر فيها
إنّ الإلمام العابر بأحوال العرب في شبه الجزيرة العربية، يكفي في إثبات أنّ الثورة العارمة على التقاليد والعادات السائدة هناك آنذاك، في مدّة لا تزيد على ثلاث وعشرين سنة، وصُنْع أُمَّة متحضرة منها، في هذه البرهة الوجيزة من الزمن، أمْرٌ يستحيل تحقّقه عن طريق العلل المادية، والأساليب الإصلاحية، وقد شمل التحوُل جميع جوانب الثقافة والفكر، والاقتصاد، والنُّظُم الاجتماعية، والطقوس الدينية.
وهذا إنْ دَلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ وراء هذه الثورة، إمدادات غيبية، نصرت الثائر، في جميع مواقفه، سواء أكانت في مجال التبليغ والتبشير، أم في مجال الكفاح والجدال، أم في قلب الأُمة المتوحشة المستبدة، المتغلغلة في العداء والبغضاء، أُمَّةً مُوَحَّدَةً، متعاطفة ومتآخية فيما بينها.
[١] سورة المسد.
[٢] السيرة النبوية، ج ١، ص ٣١٤.