الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٦٧
القرينة السادسة ـ ثباته في طريق دعوته
إنّ ثبات المدّعي في طريق دعوته، آية إيمانه بها، فإذا رُئي فيه أنّه يضحّي بماله ونفسه وأقربائه ووُلده في طريق دعوته، ويقتحم بنفسه المعارك الخطيرة، ولا يتجنَّن بتقديم غيره، يستكشف من ذلك كونه مؤمناً بدعوته، صادقاً في قوله. وهذا علي بن أبي طالب يصف حال النبي في غزواته، ويقول:
«كنّا إذا احمرّ البأس، اتّقينا برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه»[١].
وقد اتّفق أهل المغازي والسِّير، على أنّ النبي لم يتراجع في حرب من الحروب، بل كان صَموداً في وجه العدو، رغم ما كان يرد عليه من الجراحات، وشيوع اليأس في جيشه.
ويكفي في ذلك السبر في تاريخ حروبه لا سيما في أُحُدْ وغزوة حُنَينْ. ففي أُحُد عمّت الهزيمة جيشه، ولم يثبت معه في المعركة إلاّ أشخاص قلائل، فأخذ يدعو أصحابه وهم ينسحبون من أرض المعركة، وهو راسخ فيها كالجبل الأشمّ لا تحركه العواصف. يقول سبحانه، في حكايته لهذه الواقعة:
(إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمّ لِكَىْ لاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ مَا أَصَابَكُمْ وَ اللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[٢].
وأوضح من هذا، ثباتُه في مكة، وقد كان وحيداً في دعوته، لم يؤمن به حينها إلاّ عدّة قليلة يعيشون حالة الخوف والمطاردة، والطوارئ الشديدة تنزل على النبي، الواحدة منها تلو الأُخرى، وقد سطّر من تلك الحالات الكثيرة، منها: تعرُّض الأراذل له بالشتم، وإلقاء القاذورات عليه، أو إلقاء عمامته في عنقه وجرّه بها، وغير ذلك، وهو صابر محتسب[٣]. كما كان يتعرض للأذى المستمر من
[١] نهج البلاغة، قسم الحكم، فصل غريب كلامه، الرقم ٩.
[٢] سورة آل عمران: الآية ١٥٣.
[٣] لاحظ السيرة الحلبية، ج ١، ص ٢٩٣.