الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٦٦
ويكفي في ذلك أنّه تَرَبى في أحضانه، رجال متفانون في طريق الدين وتحقيق أهدافه، وكفى في إظهار ذلك أنّ النبّي استشار أصحابه في محاربة قريش في معركة بدر، وقال: أشيروا عليّ أَيُّها النَّاس.
فقام المقداد بن عمرو، وقال: يا رسول الله، إمض لما أراك الله، فنحن معك. والله لا نقولُ لكَ كما قالت بنو إسرائيلَ لموسى: «إذهب أنت وربُّك فقاتلا إِنّاها هنا قاعدون»، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا فإنّا معكما مقاتلون. فوالّذي بعثك بالحق، لو أمرتنا أن نخوض جَمْرَ الغضا[١] وشوك الهَراس[٢] لَخُضناه معك[٣].
وقال سعد بن معاذ: «فوالّذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ، لَخُضْناه معك، ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غداً، وإِنّا لَصُبُر في الحرب، صُدُق في اللقاء، لعلّ الله يريك منا ما تقرُّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله، وصِلْ مَنْ شِئت، واقطع مَنْ شِئت، وخُذْ من أموالنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحبّ إلينا ممّا تركت»[٤].
هؤلاء صحابة النبي والرجال الذين التفوا حوله، فكانت حياتهم وكلماتهم: التفاني دون الحق، والعيش مع الرسول كيفما أراد. ولا نرى نُظَراءَهم حول السياسيين من رجال الإصلاح، الذين يعيشون لأجل الأماني المادية.
نعم، وجود هذه الأنجم الزاهرة حول الرسول، كاف في كون دعوته إلهية، ولا يستلزم أن يكون كلُّ مَنْ حوله رجلاً مثالياً. ويكفي في ذلك ملاحظة التاريخ، والآيات الواردة حول أصحابه وحوارييه.
* * *
[١] النار المُتَّقدة.
[٢] شجر كبير الشوك.
[٣] السيرة النبوية، ج ١، ص ٦١٥، وتاريخ الطبري، ج ٢، ص ١٤٠.
[٤] المغازي، للواقدي، ج ١، ص ٤٨، وغيره.