الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٥٩
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أنا أحقّ بذلك منك»[١].
هذه نبذة يسيرة من سيرته الحميدة المعترف بها عند الصديق والعدو، ولو أردنا الإسهاب لاحتجنا إلى تأليف رسالة حافلة، في أدبه وخلقه وسيرته، ولأجل ذلك اعتمد قيصر في استنطاقه أبا سفيان، على تلك السيرة، وجعلها جزءاً من القرائن الّتي استفاد منها كونه صادقاً في دعوته[٢].
* * *
القرينة الثانية ـ الظروف الّتي فيها نشأ وادعى النُبوّة
كان العرب الجاهليون يضمّون إلى صفاتهم الحسنة من سخاء في الطبع وإكرام للضيف، وصيانة للأمانة والتزام بالعهود، صفات ذميمة وأخلاق رذيلة، وعادات قبيحة، وعقائد خرافية.
فالصورة العامة الّتي يمكن رسمها عنه، أنّه كان مجتمعاً غارقاً إلى آذانه في عبادة الحجارة والأوثان، والفساد الذريع في الأخلاق، يظهر في شيوع القمار والزنا، ووأَد البنات، وأكل الميتة، وشرب الدم، والغارات الثأريّة، وتغيير الأشهر الحرم، وغير ذلك من التقاليد والأعمال السيئة الّتي نقلها المؤرخون، ولا حاجة للتفصيل[٣].
هذه هي عقائدهم وتقاليدهم، وعاداتهم، والنبي الأكرم وليد هذه البيئة المتدهورة، نشأ وترعرع فيها، وقضى أربعين عاماً بينهم، فإذا به قد بعث بأُصول وآداب ومعارف، تضاد ما كان سائداً في تلك البيئة. فلو كان هو في تعاليمه، مستمداً من بيئته، لكان قد تأثّر بها ولو في بعض هذه الصفات والتقاليد.
إنّه ليس من الغريب أن تنبت الأرض الخصبة، الأشجار النضرة والأزاهير
[١] المغازي للواقدي، ج ١، ص ١٩٥، ط أكسفورد.
[٢] تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٢٩٠ ـ ٢٩١، حوادث السنة السادسة للهجرة.
[٣] لاحظ للوقوف على تاريخ العرب الجاهليين، «بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب» للشيخ الآلوسى (م ١٢٧٠). وتاريخ العرب للكاتب د. علي جواد، في عشرة أجزاء. وغير ذلك.