الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٥١
٤ ـ إنّه يقول: (وأَمّا «المعزّي الروح القدس» الّذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكّركم بكل ما قلته لكم) وهذه الجملة تناسب أن يكون المبشر به نبيّاً يأتي بعد فترة من رسالة النبي السابق بعد أن تصير الشريعة السابقة على وشك الاضمحلال والاندثار. فيأتي النبي اللاحق، يذكّر بالمنسيّ ويزيل الصدأ عن الدين.
وأمّا لو كان المراد هو روح القدس فقد نزل على الحواريين بعد خمسين يوماً من فَقْد المسيح، حسب ما ينصّ عليه كتاب أعمال الرسل[١]. أفيظن أنّ الحواريين نسوا في هذه المدة اليسيرة معالم المسيح وتعاليمه حتى يكون النازل هو الموعود به؟!
٥ ـ ويصف المسيح المبشر به، بقوله: (فهو يشهد لي). وهذه العبارة تناسب أن يكون المبشر به هو النبي الخاتم حيث بُعِثَ مصدِّقاً للشرائع السابقة والكتب السالفة، وقد أمره سبحانه أن يخاطب أهل الكتاب بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ)[٢]، وغير ذلك. ومن المعلوم أنّ الرسول الأكرم شهد برسالة المسيح، ونَزَّه أُمَّه وابنها، عن كل عيب وشين، وردّ كلَّ ما أُلصق بهما من جهلة اليهود من التهم التافهة. وهذا بخلاف ما إذا فُسِّر بروح القدس، إذ لم يكن للمسيح يومذاك أي حاجة لشهادته، ودينُه وشريعتُه بَعْدُ غضّانِ طريّان.
٦ ـ إنّه يقول: (لأنّه إن لم انطلق، لا يأتيكم «المعزي»، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم). وهذا يناسب أن يكون المُبَشّر به نبياً، حيث علّق مجيئه بذهابه، لأنّه جاء بشريعة عالمية، ولا تصحّ سيادة شريعتين مختلفتين على أُمة واحدة.
ولو كان المُبَشَّر به هو روح القدس، لما كان لهذا التعليق معنى، لأنّ روح
[١] أعمال الرسل، الأصحاح الأول: الجملة ٥. والأصحاح الثاني: الجملات ١ ـ ٤، ط دار الكتاب المقدس.
[٢] سورة النساء: الآية ٤٧.