الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٤٩
لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يَسْمَع، يتكلّم به، ويخبركم بأُمور آتية)[١].
وجه الاستدلال يتوقف على بيان نكتة، وهي أنّ المسيح ـ عليه السَّلام ـ ، كان يتكلم بالعبرية، وكان يعظ تلاميذه بهذا اللسان، لأنه وُلِد وشَبّ بين ظهرانيهم، وأُمُّه أيضاً كانت عبرانية، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، إنّ المُؤَرِّخين أَجمعوا على أنّ الأناجيل الثلاثة غير متى، كتبت من أوّل يومها باللغة اليونانية، وأمّا إنجيل متى فكان عبرياً من أوّل إنشائه.
وعلى هذا، فالمسيحُ بَشَّر بما بَشَّر باللغة العبرية أولاً، وإنّما نقله إلى اليونانية، كاتب الإنجيل الرابع «يوحنا» وكان عليه التحفّظ على لفظ المسيح في مورد المُبَشَّر به، لأنّ القاعدة الصحيحة، عدم تغيير الأعلام، والإتيان بنصِّها الأَصلي، لا ترجمة معناها. ولكن «يوحنا» لم يراع هذا الأصل، وترجمه إلى اليونانية، فضاع لفظه الأصلي الّذي تكلّم به المسيح، وفي غِبّ ذلك حصل الإختلاف في المراد منه.
وأمّا اللفظ اليوناني الّذي وضعه الكاتب «يوحنا» مكان اللفظ العبري، فهو مردد بين كونه «باراقْلِيطوس»[٢] الّذي هو بمعنى المُعَزِّي والمُسَلِّي والمُعين والوكيل، أو «بِرِيقْلِيطوس»[٣] الّذي هو بمعنى المحمود، الّذي يرادف أحمد. ولأجل تقارب الكلمتين في الكتابة والتلفظ والسماع، حصل التردد في المُبَشَّر به. ومُفَسِّروا ومترجموا إنجيل يوحنا، يصرّون على الأول، ولأجل ذلك ترجموه إلى العربية بـ«المعزّي»، وإلى اللغات الأُخرى بما يعادله ويرادفه، وادّعوا أنّ المراد منه هو روح القدس، وأنّه نزل على الحواريين في اليوم الخمسين بعد فقدان المسيح، كما ذُكر تفصيله في كتاب أعمال الرسل[٤]. وزعموا أنّهم بذلك خلعوا
[١] إنجيل يوحنا، الأصحاح السادس عشر: الجملة ١٣، ط دار الكتاب المقدس.
[٢] في اليونانية هكذا: llAPAKAHTOE. وبالأفرنجية هكذا Paracletos.
[٣] في اليونانية هكذا llEPIKAHOTE. وبالأفرنجية هكذاPericletos.
[٤] أعمال الرسل، الأصحاح الثاني: الجملات ١ ـ ٤، يقول: (ولما حضر يوم الخمسين كان، الجميع معاً بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كلّ البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار، واستقرّت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أُخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا). وسيوافيك عند التحليل أنّه لم يتحقق في يوم الدار هذا كلَّ ما ذكره المسيح ومنه قوله: «يبكت العالم على خطيّة الخ..».