الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٤
ومجموع ما ذكرناه يدلنا على أن مهمة هداية الغرائز والفطريات، الّتي تصنع من الإنسان موجوداً عارفاً بالنُّظُام، مؤمناً بالمناهج، مجرياً لها في ليله ونهاره، وسّره وإعلانه، لا تتم إلا بيد رسل مبعوثين من جانب خالق البشر، بمناهج كاملة أنزلها إليهم، وحفّها بدوافع الطاعة من المغريات بالثواب والمحذّرات من العقاب.
قال الشيخ الرئيس في بيان ما يلزم أن تشتمل عليه الأفعال الّتي يسنها النبي للبشر، أفراده ومجتمعاته حتى تأخذ لنفسها طريقاً إلى التطبيق ومسلكاً إلى البقاء:
«ويجب أن تكون هذه الأفعال مقرونة بما يذكّر الله تعالى والمعاد لا محالة، وإلا فلا فائدة فيها.
والتذكير لا يكون إلا بالفاظ تقال أو نيات تنوى في الخيال، وأَنْ يقال لهم: إن هذه الأفعال يتقرب بها إلى الله ويستوجب بها الخير الكريم»....إلى ان قال:«وبالجملة يجب أَنْ يكون فيها منبّهات»[١].
الأنبياء والفطرة في الحديث
إنّ الإمام أمير المؤمنين علياً ـ عليه السَّلام ـ يصوّر الإنسان موجوداً يجمع في ذاته دفائن العقول وأنوار العرفان.
غير أنّ إثارة تلك المعارف الكامنة، وإبراز تلك الأسرار الدفينة، يحتاج إلى إنسان كامل يقوم بتلك المهمة وهي النبي.
فدور الأنبياء دور التذكير والتنبيه، لا دور التعليم والتأسيس، لأن كل ما يلقيه الأنبياء من أُصول ومعارف مختمر في وجود الإنسان بعلم فطري وقضاء خلقي، لكنه لا يلتفت إليها إلا بفضل من يوجّهه.
[١] «النجاة» في الحكمة الإلهية، للشيخ الرئيس، ص٣٠٦، الطبعة الثانية ١٣٥٧ هـ ـ ١٩٣٨ م.