الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٣
أما أولاً، فلأنَّ شرط التربية، الوقوف على رموز الخلقة، والتعرف على خصوصيات من ترجى تربيته. وليس لهذه الشخصيات، العلم المحيط بخصوصيات الإنسان، لا لقلة عملهم وضيق أَفكارهم، بل لعظمة الإنسان في روحه ومعنوياته، وغرائزه وفطرياته، وهو أشبه ببحر كبير لا يرى ساحله، ولا يضاء محيطه. وقد خفيت كثير من جوانب حياته ورموز وجوده، حتى لقُّب بـ «الموجود المجهول»[١].
ويُصدِّق ضالة هذه المعرفة، تزايدُ الفساد وارتفاع نسبته في أقطار العالم عبر نفس المناهج التربوية الّتي تصّوبها تلك الشخصيات المرموقة في عالم التربية.
وأما ثانياً، فَلأن الحجر الأساس لتأثير التربية، أنْ يكون المربي إنساناً كاملاً وموجوداً مثالياً، يتمتع بسمو الأخلاق والملكات، فيجذب بها القلوب، ويشد إليها النفوس.
ومن المعلوم أن واضعي المناهج التربوية في العالم، وإن كانوا خبراء في مجال تخصُّصِّهم، إلا أنّهم فاقدون لهذا الشرط الأساس. ألاترى أَنَّهم يوصون ببسط العدل، وحماية المستضعف، وترك الخمر والقمار وو... ومع ذلك فهم مرتكبون لها، واقعون فيها.
ولا يشذ عنهم إلا من كان مراعياً للدين متمسكاً بأهدابه، ولكن الفضل حيئنذ لا يعود إليه بل إلى صاحب الشريعة الّذي سَنَّ تلك البرامج والمناهج.
وأما ثالثاً، فلأن المناهج التربوية لا تؤتي ثمارها إلا إذا كانت منتسبة إلى الخالق سبحانه، فإنّ هذا يمنحها ضمان الإجراء والتجسّد في المجتمع لارتباطهابعوامل التشويق إلى الثواب والتحذير من العقاب، وإلا فلن تعدو مجموعة نصائح شخصية أو مدرسية، ما أسرع ما تتهاوى أمام ضربات معاول الشهوة الثائرة.
[١] وقد ألف الفيلسوف الفرنسي الكسي كارل، كتاباً خاصاً حول الإنسان وغرائزه وفطرياته، أسماه «الإنسان ذلك الموجود المجهول».