الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٢٣
طلوعها على قوم وغروبها عنهم ميزاناً له، ولأجل ذلك جاء في بعض الأحاديث: «إنّما عليك مشرقك ومغربك»[١].
نعم، كان للفلاسفة الأقدمين نظريات شتى حول شكل الأرض وكرويتها، وكان الاعتقاد بكرويتها منتشراً عند ظهور نظرية بطلميوس، غير أنها لم تكن معروفة في الحجاز، وإنّما كان تفكير الأُميين من العرب حول الأرض، تفكير إنسان بدوي يعيش في الصحراء القاحلة. فالإجهار بهذه الحقيقة في تلك البيئة البعيدة عن الحضارة، لا يصحّ إلاّ إذا اعتمد المخبر، على منطق الوحي.
* * *
٣ ـ القرآن والعالم الجديد
من الأسرار الّتي كشف عنها القرآن قبل أربعة عشر قرناً، وجود العالم الّذي اكتشفه البَحّار كريستوف كولمبوس.
قال سبحانه: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)[٢].
وقد شغلت الآية بال المفسّرين، ففسّروها تارة بمشرقي الشمس والقمر، ومغربيهما، وأُخرى بمشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما. ولكن الظاهر هو الإشارة إلى وجود قارة أُخرى، على الوجه الآخر من الكرة الأرضية، يلازم شروق الشمس عليها، غروبها عنّا، وذلك لقوله سبحانه ـ حاكياً عن المجرمين يوم القيامة ـ: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْني وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ )[٣]. فالظاهر أنّ المشرقين في الآيتين متحدّان أوّلاً، وأَنَّ البُعْد بينهما أطول مسافة محسوسة للمتمني ثانياً. وليست المسافة بين مشرقي الشمس والقمر أو مشرقي الصيف والشتاء أطول مسافة محسوسة، فلا بدّ من أن يكون المراد منها
[١] الوسائل، ج ٣، كتاب الصلاة، الباب ٢٠، من أبواب المواقيت، الحديث ٢.
[٢] سورة الرحمن: الآية ١٧.
[٣] سورة الزخرف: الآية ٣٨.