الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤١٩
روي عن ابن عباس أنّه قال: «القرآن يُفَسِّرُهُ الزَّمان»[١].
وهذه الكلمة سواء أصحّت نسبتها إلى تلميذ الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ أوْ لا، كلمةٌ قيمة، فإنّ مرور الزمان وتكامل الحضارات، يزيد من قدرة الإنسان على استجلاء حقائق القرآن ومعارفه في شتى المجالات.
وما هذا إلاّ لأنّ القرآن، كلام الموجود اللامتناهي، فيجب أن يكون في كلامه أثر من ذاته، فيكون ذا آفاق وأبعاد لا متناهية، ويجد الإنسان في كل جيل وعصر، الشيء الجديد فيه، الّذي غفل عنه الأقدمون ولم يصلوا إليه. وعلى ذلك فلا غرو في أنْ نجتني نحن من هذه الدوحة المثمرة، ثماراً لم يجتنها الأَوّلون، فما أعذب قول الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، في جواب من سأله عن سبب غضاضة القرآن وطراوته في كل عصر، وأنّ النَشرْ والدراسة لا يزيده إلاّ طراوة: «إنّ الله تعالى، لم يجعله لزمان دون ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غضٌّ إلى يوم القيامة»[٢].
نعم، لسنا من المكثرين في تطبيق الآيات القرآنية على فروض متزلزلة فإنّه دخول في المزالق الوعرة، فسوف تتبدل تلك الفروض بفروض أُخرى، كما لسنا من المتحجرين الجامدين الّذين يسدّون باب التعمّق والإمعان في الآية. وإنّما نسلك في هذا طريقاً وسطاً، وهو أنّه إذا تمّت دلالة الآية على نظرية علمية، على ضوء القواعد الأدبية من دون تجشّم التأويل والتقدير، وثبتت القضية العلمية ثبوتاً واضحاً حتى عُدَّت من القواعد الموضوعية، ودخلت في نطاق القوانين العلمية ، كحركة الأرض ودورانها حول الشمس، والزوجية في النباتات، وغير ذلك من الأُصول العلمية الّتي أصبحت في عِداد البديهيات، ففي هذه الظروف يصحّ لنا استنطاق الآية والقضاء بأنّها تشير إلى ذلك القانون العلمي الثابت.
ولأجل ذلك نأتي في المقام بنماذج في هذا المجال.
[١] حكاه شيخنا المغفور له العلامة الشيخ محمد جواد مغنية عن مفتي موصل العبيدي في كتابه «النواة».
[٢] البرهان في تفسير القرآن، للعلاّمة البحراني، ج ١، ص ٢٨.