الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤١
وخذ على ذلك مثالاً، معرفة الله والميل إلى عوالم الغيبية، فان لها جذوراً في عمق وجود الإنسان، ولم يزل كل انسان من صباه إلى كهولته ميّالاً إلى تلك العوالم، شغوفاً بحب الاطلاع عليها، والخضوع لها.
ولكن هذا الميل إذا لم يقع في إطار الهداية والتوجيه الإلهي، يسفّ بالإنسان إلى الحضيض، ويصنع منه عابداً للحجر والخشب والعجماوات، خاضعاً للشمس والقمر والنار. ألاترى صانعي الآلات ومخترعي العقول الالكترونية كيف طفقوا يخضعون للأصنام والأبقار؟!
ولكنها إذا كانت تحت ظل هداية إلهية، تتجلى بمظهر التوحيد، وأَنّ للعالم بأسره إلها واحداً أحداً عالماً، قادراً، محيطاً بكل شيء، جامعاً لكل صفات الكمال والجمال.
إن الميول الطبيعية، كالميل إلى الزواج والتسلط على المناصب والتكاثر في الأموال، ممّا خُمّر عليه الإنسان، ولا بقاء لحياته إلا به، ولو سلبت عنه لصار موجوداً مهملاً خاملاً طالباً للموت وجانحاً إلى الفناء.
ولكن لو تركت هذه الغرائز ومجالها، لآل الإنسان إلى حيوان ضار، مدمر لكل شيء بغية تحصيل المال والإستبداد بالمناصب.
وأما لو كبح جماحها، وعدّلت ميولها بهداية تحدد مجاريها وتُرشد صاحبها إلى كيفية الإستفادة منها، لصار موجوداً عاقلاً متكاملاً سعيداً في حياته، متآلفاً ومتآزراً مع سائر بني نوعه، لبناء المجتمع الصالح.
وهكذا، فقد عُلم من هاتين المقدمتين أن وجود الفطريات والغرائز في الإنسان، وحاجتها إلى الهداية والتعديل أمر لا ينكر، وإنّما الكلام كلّه في تعيين من يقوم بهذه المهمة.
فهل المحاسبات العقلية كافية في حمل الإنسان على هداية فطرياته. وكبح جماح غرائزه عن الإفراط والتفريط ؟
أم هل الشخصيات الممتازة في عالم الإجتماع، الموصوفة بالعقل