الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٠٨
السمة الرابعة: رعاية الموضوعية في التقنين
التقنين القرآني يتبنّى الموضوعية في تشريعه ولا يتبنّى ترضية المجتمع وأهواء بني البشر، وبما أنّ الإنسان موجود مركّب من جسم وروح، فالتقنين القرآني يتبنّى سلامة الجسم والروح معاً، فما كان مُضِرّاً بواحد منهما، يُحَرِّمُهُ، وإِنْ كانت تلبية رغبات المجتمع على خلافه.
فَحَرّم الإسلام أكل الخنزير وشرب الخمر، والدم، وكل خبيث، لأنّ كل ذلك ينافي صحة الإنسان في بدنه وعقله. كما حَرّم الكذب، والتهمة، والنميمة، والغِيبة، وغير ذلك من رذائل الأخلاق، لأنّ في ذلك ضرر للإنسان بجسمه وروحه، وفرده ومجتمعه. يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لاَ تَجَسَّسُوا وَ لاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)[١].
* * *
السمة الخامسة: ضمان الإجراء
إنّ العصر الحديث يواجه في سبيل تطبيق قوانينه الوضعية، مشكلة كبرى، ناتجة عن فقدان قوانينه للضمانات الكفيلة بتطبيقها بنحو كامل، وليس لديه غير عقوبات جزائية، من المعلوم أنّها لا تكفي في تطبيقها، ما لم يكن هناك وازع داخلي يمنع من التخلّف عنها ولأجل ذلك يواجه المجتمع البشري مشكلة انعدام الأمن الاجتماعي بألوانه وصوره.
وأمّا قوانين الإسلام الّتي نادى بها القرآن، ففيها الدوافع والحوافز المفقودة في غيرها من القوانين، وذلك لأسباب:
الأوّل ـ المجتمع الإسلامي يرى القانون مظهراً لإرادة الله سبحانه، وأنّ مخالفته، مخالفة لدعوة قدرة كبرى لا يمكن الفرار منها، وأنّ العقوبة لبالمرصاد
[١] سورة الحجرات: الآية ١٢.