الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٠
الدناسة والخيانة. وكل ذلك ممّا يلمسه الإنسان في حياته ويعايشه في وجدانه، وقد كشف عنه العلم الحديث وأيّده[١].
الأمر الثاني ـ حاجة الفطريات إلى الهداية والغرائز إلى التعديل
إن إعمال الغرائز والفطريات ـ وإن كان به قوام الحياة ـ إلا أنَّه لا يصح في المقابل تركها وحالها وإفساح المجال لها، وإلا أَدّى ذلك بالحياة البشرية إلى الفناء والهلاك. وإنما تتحق سعادة الإنسان بهداية فطرياته هداية صحيحة وتعديل غرائزه على وجه يفي بحاجاته ولا يخرجه عن طور إنسانيته.
بيان ما ذكرنا: إن الثلوج المتراكمة على قمم الجبال إنما يمكن الإنتفاع بها إذا كان هناك جداول وقنوات تمتد من رأس كلّ جبل إلى السهول المحيطة به، فتسيل فيها مياه الثلوج الذائبة بالتدريج. وفي غير تلك الصورة يسيل الماء كيف كان، جارفاً في طريقه الاحجار والصخور، وربما أنقلب إلى سيل جارف يدمّر كلَّ شيء أمامه.
وكذلك الفِضَل المغروسة، أو البذور المنثورة على الأرض، تحمل في ذواتها قوى واستعدادات، إلا أنَّ تفجُّر تلك الطاقات يحتاج إلى من يتعهدها حراسةً وسقايةً وعنايةً على النحو المأنوس، وعندها تصير الفِصل أشجاراً مثمرة، والبذور سنابل ذهبية.
ثم نقول: إذا كانت الإستفادة من الثلوج المتراكمة على الجبال، والفصل المغروسة والبذور المنثورة على الأرض، متوقفاً على هداية خاصّة، حتى تصب في مجراها الصحيح، وتَرْشُدَ على نهجها الطبيعي، فكذلك الأمر في السجايا الإنسانية والغرائز البشرية الكامنة في وجود الإنسان، فإنها لن تعود عليه بالنفع والصلاح إلا في ظل هداية تمنعها من الإفراط والتفريط، وتسيّرها في ما هو صالح البدن والروح.
[١] تقدم التعرض لذلك في مقدمات الجزء الاول: الالهيات، ج١، ص١١ ـ ١٣.