الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٩
أدلة لزوم البعثة
(٣)
هداية الفطريات وتعديل الغرائز
وتقرير هذا الدليل يحتاج إلى تقديم أمرين :
الأمر الأول ـ الإنسان مجبول على فطرياته وغرائزه
لا تكتمل وتتوازن حياة الإنسان إلا إذا عاش على مقتضى متطلبات الفطرة ومتوخيات الغرائز، بل العيش على خلاف هذه المتقضيات يؤدي بالحياة البشرية إلى الهلاك، وما مثل هذا إلا كالسابح في عكس تيار الماء، لن تكون عاقبته إلا الإرهاق وانهيار القوى فيتوقف عن السباحة ويبتلعه الماء.
فحاجة الخلايا إلى الغذاء، والبدن إلى الراحة والنوم، حاجة ضرورية لا بد من تلبيتها. كما أن الحاجة إلى اطفاء الشهوة بالزواج حاجة فطرية لا يمكن إهمالها، وإلا صار الإنسان موجوداً عصبياً، وكانت الحياة كالعلقم في فمه.
ومن جملة الفطريات المودعة في وجود الإنسان، والمكتوبة على جبينه بقلم القضاء والخلقة، و الّتي تتفجر في أوائل بلوغ الإنسان عمر الشباب، معرفةُ الله سبحانه، والميل إلى الأمور الحسنة، والإنزجار عن الأمور السيئة، ولأجل ذلك لاترى إنساناً ـ لم يقع تحت تأثير الأهواء وعوامل الانحراف ـ يَعُدُّ ردّ الامانة قبيحاً، والخيانة بها كرامة، كما لا يعد العمل بالعهد أمراً سيئاً، ونقضه أمراً حسناً، وهكذا الكثير من الأمور كالميل إلى العفة والعدالة والإنزجار عن