الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧٤
فإنّه سيرتبك ويقع في التناقض والتهافت من حيث لا يريد، وقد قيل قديماً: «لا ذاكرة لكذوب».
وإنّا نرى العاِلم النابغ في علم معين، يؤلّف الكتاب ويستعين عليه بالباحثين، ثم يطيل التأمّل فيه وينقّحه ويطبعه، فلا تمرّ سنوات قليلة إلاّ ويظهر له الخطأ والإختلاف، فلا يعيد طبعه إلاّ بعد أن يغيّر منه ويصحح ما شاء.
وإنّ هذا القرآن قد تعرّض لمختلف الشؤون، وتوسّع فيها أحسن التوسّع، فبحث في الإلهيات والنبوات وسياسة المُدْن ونظم المجتمع، وقواعد الأخلاق، وقوانين السلم والحرب، كما وصف الموجودات السماوية والأرضية، من شمس وقمر وكواكب ورياح، وبحار ونبات، وحيوان وإنسان، ووصف أهوال القيامة ومشاهدها. ومع ذلك لا تجد فيه تناقضاً واختلافاً، أو شيئاً متباعداً عند العقل والعقلاء.
والعجب أنّه ربما يستعرض حادثة واحدة، فيطرحها مرتين أو مرّات، كقصة الكليم، والمسيح، ومع ذلك لا تجد فيها اختلافاً في الجوهر.
والحاصل أنّ الكتاب الّذي يستعرض جميع الشؤون المرتبطة بالإنسانية، كمعرفة المبدأ والمعاد والفضائل الأخلاقية والقوانين الإجتماعية والفردية، والقصص والعبر، والمواعظ والأمثال، وينزل في مدّة تعدل ثلاثاً وعشرين سنة، على اختلاف الأحوال والظروف ومع ذلك لا تجد في معارفه العالية، وحكمه السامية، وقوانينه الإجتماعية والفردية، تناقضاً ولا اختلافاً، بل ينعطف آخره على أوله، وترجع تفاصيله وفروعه إلى أصوله وعروقه.
إنّ مثل هذا الكتاب، يقضي الشعور الحي في حقّه أنّ المتكلم به ليس ممّن يحكم فيه مرور الأيام ويتأثّر بالظروف والأحوال، بل هو الله الواحد القهار.
ولعلّ قوله سبحانه: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)[١]، ناظر إلى كلتا القرينتين، ويبين أنّ مقتضى الطَبع
[١] سورة النساء: الآية ٨٢.