الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧٣
شواهد إعجاز القرآن
(٣)
عدم الإختلاف في المضمون
قد عرفت في القرينة السابقة أنّ المعجزة الخالدة نزلت على النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ طيلة أعوام مختلفة من حيث الشدّة والرخاء، والرغبة والرهبة، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، إنّ الإنسان جُبل على التكامل، فهو يرى نفسه في كل يوم أعقل من سابقه، وأنّ ما أتى به من عمل، أو اخترعه من صنعه، أو دَبّره من رأي، أو أَبْدَعَهُ من نَظَر، يراه ناقصاً مفتقراً إلى الإصلاح والتجديد. وهناك كلمة قيمة للكاتب الكبير عماد الدين أبو عبد الله محمد بن حامد الأصبهاني (ت ٥٩٧)، يقول فيها: «إنّي رأيت أنّه لا يكتب إنسانٌ كتاباً في يومه، إلاّ قال في غده لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قُدّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أَجمل. وهذا من أعظم العِبَر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر».
وهذا في الكاتب الصادق، وأمّا الكاتب الّذي يبني أمره على الكذب والإفتراء في أنظاره وآرائه وأحكامه وإخباراته، فلا يمكن أن يتخلص عن التناقض والإختلاف، ولاسيما إذا تعرّض لكثير من الأُمور المهمة في مجال العقائد والتشريعات والنُّظم الإجتماعية والأخلاقية الّتي تتطلب لنفسها تبنّي أدقّ القواعد وأحكم الأُسس، ولا سيما إذا طالت على ذلك المفترى أيام، ومرّت عليه عقود،