الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧١
شواهد إعجاز القرآن
(٢)
عدم الإختلاف في الأُسلوب
إنّ القرآن الكريم نزل نجوماً في مدّة تقرب من ثلاث وعشرين سنة[١]، في فترات مختلفة وأحوال متفاوتة من ليل ونهار، وحضر وسفر، وحرب وسِلْم، وضرّاء وسرّاء وشدّة ورخاء، ومن المعلوم أنّ هذه الأحوال تؤثّر في الفكر والتعقّل وفي قرائح قادة الكلام، وأصحاب البلاغة، فربما يقدر البليغ على إلقاء خطابة بليغة في حالة، ولا يقدر عليها في أُخرى. أو الشاعر المُفْلِق يجود بقريض معجِب في ظروف روحيّة خاصة، يعجز عنه في أُخرى. ذلك أمر ملموس لمن مارس إلقاء الخُطب ونظم القريض.
ولكن القرآن جاء على خلاف هذه القاعدة، فلم يختلف حاله في بلاغته الخارقة المعجزة. كما أنّ الأُسلوب في جميع السور النازلة في هذه المدة المديدة، واحد. «فسورة العلق» الّتي هي أوّل سورة نزلت على النبي، نظير سورة «النصر» الّتي نزلت عليه في أُخريات أَيامه، في الأُسلوب والبيان، من دون أن يكون هناك اختلاف بينهما.
[١] قدتضافرت الآيات على أنّ القرآن نزل نجوماً، وكان هذا أحد الإشكالات الّتي وجهها الكفّار والمشركون إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقد كانوا يطلبون منه أن يأتي بكتاب مجموع مُدَوّن مرة واحدة،، وهذا ما يحكيه سبحانه مجيباً عنه في قوله: (وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)(سورة الفرقان: الآية ٣٢).