الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦١
٤ ـ الأسود العنسي
كان رجلاً فصيحاً معروفاً بالكهانة، والسجع، والخطابة، والشعر، والنسب. وقد تنبّأ على عهد النبي وخرج باليمن وهو ممن أراد أن يحذو حذو نبينا الأمين، لكن بتسجيع الكلم وحده. فأراد أن يباري سورة الأعلى فقال:
«سبّح اسم ربّك الأعلى، الّذي يسّر على الحبلى، فأخرج منا نسمة تسعى، من بين أضلاع وحشى، فمنهم من يموت ويدسّ في الثرى، ومنهم من يعيش ويبقى». وهي ـ كما ترى ـ صفر من الحكمة العالية، إلاّ الجملة الأولى.
فقد جاء هؤلاء إلى حلبة المعارضة لأنّهم كانوا بمكان من الإنحطاط الفكري والأخلاقي، وأمّا المحنكون ذوو الضمائر الحرّة من العرب فلم ينزلوا إلى ميدان المعارضة لوقوفهم على أنها تبوء بالفشل، وحفظوا كرامتهم من التسرع إلى حركات صبيانية.
وأمّا هؤلاء فهمّوا أن يعارضوا القرآن، فكان ما أتوا به باسم المعارضة لا يخرج عن أن يكون مجادلات مضحكة مخجلة، أخجلتها أمام الجماهير وأضحكت الجماهير منهم، فباءوا بغضب من الله وسخط من الناس، فكان مصرعهم هذا، كسباً جديداً للحقّ، ورهاناً آخر على أنّ القرآن كلام الله القادر وحده، لا يستطيع معارضته إنس ولا جان، ومن ارتاب فأمامه الميدان.
هؤلاء هم الذين حاولوا معارضة القرآن من القدماء، الذين عاصروا النبي أو عاشوا بعده بُرهة من الزمن، ولم يكن ما أتوا به إلاّ سقطات من الكلم أو الفاظاً جوفاء، أو أسجاعاً سخيفة. وهناك رجالات آخرون رُموا بها بأنّهم عارضوا القرآن الكريم، وهم في الثقافة والأدب بمكان عال، غير أنا نشك في صحة نسبة المعارضة إليهم، وإنّما رموا إمّا لكونهم من الملاحدة المعروفين كعبد الله بن المقفع، أو من الشخصيات البارزة الّتي يحسدها أعداؤها فأوقعوها بافتراءات الزندقة، ثم معارضة القرآن الكريم، فمنهم: