الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥٧
وحسن التشبيه، وإبداع المعاني، ما ليس في أبيات النابغة، إذ جعل لليل صلباً وأعجازاً وكلكلاً، وشبّه تراكم ظلمة الليل بموج البحر في تلاطمه عند ركوب بعضه بعضاً، وجعل النجوم كأنّها مشدودة بحبال وثيقة، فهي راكدة لا تزول ولا تبرح، وجعل يتمنى تَصَرُّم الليل بعود الصبح لما يرجو فيه من الرَّوْح، ثم ارتجع ما أعطى واستدرك ما كان قدّمه وأمضاه، فزعم أنّ البلوى أعظم من أن يكون لها في شيء من الأوقات كشف وانجلاء... إلى آخر ما في شعره من النكات.
فبمثل هذه الأمور تعتبر المعارضة، فيقع بها الفضل بين الكلامين، من تقديم لأحدهما، أو تأخير، أو تسوية بينهما. لا بمثل ما اتى به هؤلاء المهزّلون، من الإكتفاء بالوزن والفواصل، من دون نظر إلى المعاني. وهذا هو السائد في كل المعارضات الّتي نسبت إلى المعارضين.
وللمعارضة صور أُخرى ذكرها الخطابي في بيان إعجاز القرآن[١].
مثال آخر
نرى أنّ جريراً يمدح بني تميم ويعرفهم بأنّهم كل الناس، في قوله:
إذا غَضِبَتْ عليك بنو تميم * حسبت الناسَ كلُّهم غِضاباً
ويقول أبو نواس في هذا الصدد:
ليس على الله بمستنكَر * أن يجمعَ العاَلَم في واحد
وقد زاد عليه أبو نواس زيادة رشيقة، وذلك أنّ جريراً جعل الناس كلّهم بني تميم، ولكنّ أبا نواس جعل العالم كلّهم في واحد. فكان ما قاله أبلغ وأدخل في المدح والإعظام[٢].
إذا ظهرت لك حقيقة المعارضة، فانظر إلى قوله سبحانه:(الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَ مَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ)[٣]. وقوله سبحانه: (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَ مَا
[١] بيان إعجاز القرآن، ص ٥٢ ـ ٦٠.
[٢] لاحظ الطراز، ص ٢٠٢ ـ ٢٠٣.
[٣] سورة الحاقة: الآيتان ١ ـ ٣.