الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥٦
عنده، وقال الأحنف لعمّه. «كيف رأيته؟»، قال: «ليس بمتنبيء صادق، ولا بكذّاب حاذق»[١].
ما هي حقيقة المعارضة؟
معنى المعارضة أنّ الرجل إذا أنشأ خطبة أو قال شعراً، يجي الآخر فيجاريه في لفظه ويباريه في معناه ليوازن بين الكلامين، فيحكم بالفلج على أحد الطرفين. وليس معنى المعارضة أن يأخذ من أطراف كلام خصمه، ثم يبدل كلمة مكان كلمة، فيصل بعضه ببعض وصل ترقيع وتلفيق، كما وقع في ذاك الكلام المنسوب إلى مسيلمة. وها نحن نأتي ببعض المعارضات الّتي وقعت في العصر الجاهلي بين شاعرين كبيرين، فهذا النابغة الذبياني يصف لَيْلَهُ في أشعاره المعروفة الّتي يعتذر فيها للنعمان، ويقول:
كليني لهمّ يا أميمة ناصبِ * وليل أقاسيه بطي الكواكبِ
تَطاوَلَ حتى قُلت ليس بِمُنْقَض * وليس الّذي يرعى النجوم بآيبِ
بصدر اراح الليْل عازِب همِّه * تضاعف فيه الحزن من كل جانبِ
ونرى أنّ امرئ القيس يقول في نفس الموضوع:
وليل كموج البحر أرخى سدوله * عليّ بأنواع الهُموم ليبتلي
فقلت له لمّا تمطّى بصُلْبه * وأردف أعجاز وناء بكلكلِ
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي * بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ
فيا لكَ من ليل كأن نجومه * بكل مغار الفتل شدّت بِيَذْبُلِ
هذه هي حقيقة المعارضة; فقول النابغة متناه في الحسن، بليغ في وصف ما شكاه من همّه وطول ليله، ويقال إنّه لم يتبديء شاعر قصيدة بأحسن من هذا الكلام، خصوصاً قوله: «بصدر أراح الليلُ عازب همّه». وهو كلام مطبوع سهل يجمع البلاغة والعذوبة. إلاّ أنّ في أبيات امرئ القيس من ثقافة الصنعة،
[١] لاحظ ما نسب إليه في تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٤٩٨ ـ ٤٩٩، وص ٥٠٦.