الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٩
إستحال أن يعلموا أنّ لنظم القرآن فضلاً على كلامهم الّذي يسمع منهم. وإذا لم يتصوروا للقرآن تلك المزية، كان كلاُمُهم بعد التحدّي عندهم مساوياً للقرآن. فلازم ذلك أن يعتقدوا أنّ في جمله ما يقولونه في الوقت ويقدرون عليه، ما يشبه القرآن ويوازيه، فعندئذ لا تتم الحُجَّة عليهم، إذْ لهم أن يقولوا بأنّ أشعارنا وخطبنا لا تقصر عن قرآنك، لأنّ المفروض أنّهم غير واقفين على نزول كلامهم عن الذروة والقمة السالفة، ومتصورين أنّه بعد التحدي كما كان قبله. ومن كانت له هذه الحالة، لا يتصور للقرآن مزية.
وعاشراً: فإنّ القائل بدخول النقصان على قرائح العرب، إمّا أن يستثني النبي من ذلك، أوْ لا. فعلى الأَوّل يجب أن يقول بأنّ النبيّ عندما كان يتلو عليهم قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً)[١] كان يستطيع أن يأتي بمثل القرآن، ويقدر عليه.
وعلى الثاني يلزم أنّ النبوة صارت وسيلة لنقصان مرتبة النبي في حلبة الفصاحة والبلاغة، اللهم إلاّ أن يقولوا بأنّ النبي كان دونهم في الفصاحة والبلاغة قبل التحدي، مع أنّ الأخبار تحكي عن أنّه كان أفصح العرب[٢].
ولأجل وَهْن هذه النظرية، صار السائد بين المسلمين عامّة، وأكابر الشيعة خاصة، كون القرآن معجزاً من حيث الفصاحة المفرطة والبلاغة السامية، والنَّظم المخصوص، والأسلوب البديع، الّذي جعله ـ مجتمعاً ـ كلاماً خارقاً للعادة. وزيادة في إيضاح الحال نورد ما ذكره الشيخ الطبرسي (ت ٤٧١ ـ م ٥٤٨ هـ) في تفسير قوله سبحانه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً)[٣]، قال:
[١] سورة الإسراء: الآية ٨٨.
[٢] الإشكالات الثلاثة الأخيرة، ذكرها الرماني في كتابه «النكت في إعجاز القرآن»، ص ١٣٣ ـ ١٥٥، وقد نقلناها بتلخيص وتصرّف.
[٣] سورة الإسراء: الآية ٨٨.