الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٨
وسابعاً: فلو كان عجز العرب عن المقابلة، لِطاريء مباغت أبطل قواهم البيانية، لأُثر عنهم أَنَّهم حاولوا المعارضة ففوجئوا بما ليس في حسبانهم، وَلَكان ذلك مثار عجب لهم، ولأعلنوا ذلك في الناس، ليلتمسوا العُذْر لأنفسهم وليقللوا من شأن القرآن في ذاته[١].
وقد أشار إلى هذا الوجه علي بن عيسى الرماني في نكت الإعجاز، كما أشار إليه الإمام يحيى بن حمزة العلوي، قال: «إنّهم لو صُرفوا عن المعارضة مع تمكنهم منها، لوجب أن يَعْلَموا ذلك من أنفسهم بالضرورة، وأنْ يُميزوا بين أوقات المنع والتخلية. ولو علموا ذلك، لوجب أن يتذاكروا في حال هذا المعجز على جهة التعجّب. ولو تذاكروه، لظهر وانتشر على حدّ التواتر. فلمّا لم يكن ذلك، دّلّ على بطلان مذهبهم في الصرفة»[٢].
وثامناً: فإنّ القول بالصرفة، يستلزم القول بأن العرب قد تراجعت حالها في الفصاحة والبلاغة،، وفي جودة النظم وشرف الأسلوب وأن يكونوا قد نقصوا في قرائحهم وأذهانهم، وعدموا الكثير ممّا كانوا يستطيعون، وأن تكون أشعارهم الّتي قالوها، والخطب الّتي قاموا بها من بعد أن أوحى الله إلى النبي، قاصرةً عمّا سمع منهم من قبل ذلك، القصور الشديد، وأن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال كان يتسع لهم، ونضبت عنهم موارد قد كانت تغزر، وخذلتهم قوى كانوا يصولون بها، وأن تكون أشعار شعراء النبي الّتي قالوها، في مدحه ـ عليه السَّلام ـ ، وفي الردّ على المشركين، ناقصة متقاصرة عن شعرهم في الجاهلية، وأن يكون شعر حسان بعد الإسلام دون شعره قبله، والكل كما ترى.
وتاسعاً: فإنّ الظاهر من مذهب الصرفة أنّ النقصان حدث فيهم من غير أن يشعروا به، ولازمه أن لا تتم الحُجَّة عليهم، لأنّهم وإن عدموا فضلهم في مجال الفصاحة والبلاغة، لكنهم غير شاعرين بهذا النقصان. وإذا كانوا لا يعلمون أنّ كلامهم الّذي يتكلمون به بعد التحدّي، قاصرّ عن الّذي تكلموا به أمس،
[١] لاحظ مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني، ج ٢، ص ٣١٤.
[٢] الطراز ج ٣، ص ٣٩٣.