الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٥
والمقابلة، بعد البعثة، بما تقدم، لا قبلها، فعندئذ كان في وسع العرب القاء كلم وجمل وخطب مضاهية للقرآن الكريم من دون أن يتحملوا عبء المقابلة بإنشاء مثله، حتى يقال بأنّهم صرفوا عن المقابلة بسلب الهمم والعلوم والقدرة، لأنّ الإتيان بما هو دارج بين العرب لا يتوقف على مؤنة. إلاّ أن يقال إنّهم صرفت هممهم حتى عن هذا المقدار، وهو كما ترى.
وثالثاً: فلو كان العرب قبل البعثة قادرين على الإتيان بكلام يشبه القرآن ويضاهيه، فلماذا اندهش الوليد بن المغيرة عندما سمع آيات من سورة فصلت وقال: «لقد سمعت من محمد كلاماً لا يشبه كلام الإنس والجن»[١]. ولماذا ارتمى عتبة بن ربيعة مدهوشاً مبهوتاً ملقياً يديه وراء ظهره متكياً عليهما، مشدقاً بفيه مصعوقاً عندما سمع بعض آيات القرآن من النبي الصادع بالحق. فلو كانت فصاحة القرآن وبلاغته أو نظمه وأُسلوبه من حيث العذوبة والأناقة على نمط كلام الآخرين من فصحاء العرب وبلغائهم، فلم اهتزوا وتأثّروا بسماع آية أو آيات منه ولم تكن لهم هذه الحالة في سماع شعر امرئ القيس، ولا عنترة، ولا غيرهما من أصحاب المعلقات، ولا من سماع خطب قس بن ساعدة وسحبان بن وائل وغيرهما من أصحاب الخطب والكلام.
وإلى هذا الوجه يشير الإمام يحيى بن حمزة العلوي في نقد هذا المذهب، ويقول: «لو كان الوجه في إعجازه هو الصرفة كما زعموا، لما كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن، فلمّا ظهر منهم التعجّب لبلاغته وحسن فصاحته، كما أثر عن الوليد بن المغيرة حيث قال: «إنّ أعلاه لمورق، وإنّ أسفله لَمُعْذِق، وإنّ له لطلاوة، وإنّ عليه لحلاوة»، فإنّ المعلوم من حال كل بليغ وفصيح سمع القرآن يتلى عليه فإنّه يدهش عقله ويحيّر لبّه، وما ذاك إلاّ لما قرع مسامعهم من لطيف التأليف وحسن موانع التصريف في كل موعظة، وحكاية كل قصة، فلو كان كما زعموه من الصرفة، لكان العُجب من غير ذلك، ولهذا فإنّ نبيّاً لو قال: إنّ معجزتي أن أضع هذه الرمانة في كفي. وأنتم لا تقدرون على ذلك، لم يكن
[١] السيرة النبوية لابن هشام، ج ١، ص ٢٩٣ ـ ٢٩٤.