الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٣٨
واختاره من الإمامية الشيخ المفيد (ت ٣٣٨ ـ م ٤١٣ هـ ) في أوائل القالات، وإن حُكي عنه غيره. والسيد المرتضى (ت ٣٥٥ ـ م ٤٣٦ هـ) في رسالته الخاصة بهذا الموضوع الّتي أسماها بـ«الموضح عن جهة إعجاز القرآن». والشيخ الطوسي (ت ٣٨٥ ـ م ٤٦٠) في شرحه لجمل السيد، وإن رجع عنه في كتابه «الإقتصاد». وابن سنان الخفاجي (م ٤٦٤ هـ) في كتابه «سِرّ الفصاحة».
ولما كان هذا المذهب قد أحاط به الإبهام، واضطربت في تفسيره الأذهان، فأقرب ما يمكن اعتماده في الوَقوف على حقيقته، الرجوع إلى نفس عبارات المتمسكين به.
حقيقة الصَّرْفَة
إنّ القائلين بأنّ القرآن معجزة من حيث الفصاحة، والبلاغة، وروعة النظم وجماله، وبداعة الأُسلوب والسَّبك، يقولون بأنّ القرآن وصل من فرط كمالِهِ فيها إلى حدّ تقصر القدرة البشرية عن الإتيان بمثله، من غير فرق بين السابقين على البِعثة واللاحقين عليها.
وأمّا القائلون بمذهب الصَّرْفة، فإنهم يعترفون بفصاحة القرآن وبلاغته، وروعة نظمه وبداعة أُسلوبه، لكنهم لا يرونه على حدّ الإعجاز، بل يقولون: ليس الإتيان بمثله خارجاً عن طوق القدرة البشرية، فهي كافية في مقام المعارضة، وإنّما العجز والهزيمة في حلبة المبارزة لأمر آخر، وهو حيلولته سبحانه بينهم وبين الإتيان بمثله.
وبعبارة أخرى: إنّ القائلين بكون إعجاز القرآن من جهة فصاحته وبلاغته ونظمه وأُسلوبه، يقولون إنّ الإعجاز إنّما يتعلق بأمر ممكن بالذات، لأنّه لو كان محالاً بالذات ـ كاجتماع النقيضين وارتفاعهما ـ فلا تتعلق به القدرة مطلقاً، سواء أكانت قدرة إلهية أو قدرة بشرية. وعلى ضوء ذلك، فالإتيان بكتاب مثل القرآن، أمر ممكن بالذات، وليس امراً محالاً بالذات، غير أنّه لا تكفي لذلك القدرة البشرية العادية. فإلإتيان بمثله محال عادي، لا تزول استحالته إلاّ أن يتجهّز الآتي بمثله بقدرة فوق القدرة العادية.