الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٣٥
خامساً: أجاب يوسف طلبها بقوله: (مَعاذَ الله إنّه ربيّ أحسن مثواي)، أي أعوذ بالله معاذاً. فيعرب عن أنّ يوسف لم يعرف خيانة، ولم يَدُرْ بخلده أنْ يخون صاحبه (العزيز) ومُنْعِمَه ومربّيه، في امرأته. والضمير في «إنّه»، يرجع إلى «العزيز». ولأجل ذلك بعدما اتّضحت الحقيقة، وبانت خيانة الإمرأة، أرسل يوسف من أعماق زنزانته إلى الملك، ووزيره «العزيز»، بقوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)[١].
وفي القصة مسرحية غرامية أُخرى هي دعوة إمرأة العزيز، نِسْوَةَ أَشرافِ المدينة إلى مأدُبة ليقفن على بهاء جمال هذا الفتى، وأَنّ التعلق به ليس أَمْراً اختيارياً، بل كل من رآه يتعلق فؤاده به في أول لقاء. ويحكيه القرآن بقوله:
(وَ قَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَل مُبِين * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَ قَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)[٢].
أنظر إلى العفة والإحتشام في التعبير عن جمال يوسف حيث قال: (أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ).
كل ذلك يعرب عن أنّ القصة سُردت على أساس الدعوة إلى العفة والعبرة، والإنصراف عن الإنهماك في الشهوات. فهل يستطيع إنسان أُمِّي، غير متعلم، ترعرع بين شعب متوحش، أن يعرض تلك المسرحية الغرامية، ولا يخرج عن حدود العفة ونطاق النزاهة؟ كلا، لا[٣].
[١] سورة يوسف: الآية ٥٢. لاحظ الميزان، ج ١١، ص ٢٥١.
[٢] سورة يوسف: الآيتان ٣٠ و ٣١.
[٣] أضف إلى ذلك أنّ القرآن يستمد في بيان ما يستقبح التصريح به، بالكلمات الكنائية، ككلمات «الفَرْج» (لاحظ المؤمنون: الآية ٥) و «الغائظ» (المائدة: الآية ١٦) فإنّ الفرج ليس عَلَماً للموضع الخاص من المرأة، وإنّما يراد منه الخلل بين الشيئين. كما أنّ الغائظ، بمعنى الموضع المنخفض، وقس على ذلك غيرها من الكلمات الّتي جاءت في بيان المسائل الراجعة إلى الزوج والزوجة كقوله تعالى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْض وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (النساء: الآية ٢١ )، وغيره، فكلها كنايات.