الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٣٣
٢ ـ علو الجهة المنزل منها القرآن
ومن مزايا بيان القرآن، تَكَلُّمه من موقع الإستعلاء وتحدّثه بلسان من يملك الأمر كلّه، ومن بيده ملكوت السموات والأرض، وفي قبضته كلُّ شيء. فهو في مخاطباته ومجادلاته وأَوامره ونواهيه، وفي وعده ووعيده، وفي أمثاله وقصصه، وفي مواعظه ونُذُره، يتَّسم بالعلو الشامخ، ويتصدر المقام الرفيع الّذي لا يُنال، ويتحدث إلى الناس حديث من يملك كل شيء، ومن يقول على كل شيء، ومن يُدَبّر ويُقَدّر، دون أن يقف أحد أمام سلطانه، فاستمع لقوله سبحانه:
(تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ * الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقاً مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَ هُوَ حَسِيرٌ)[١].
وقوله سبحانه: (وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[٢].
وقوله سبحانه: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الأَبْصَارَ وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ مَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنى تُصْرَفُونَ)[٣]
٣ ـ العفة والإحتشام
إِمتاز القرآن المجيد في تعابيره بالنزاهة والعفة، مع أنّه ظهر في بيئة لا تعرف للعفَّة مفهوماً، فلا تجد فيه تعبيراً سيئاً، ومَنْهجاً ركيكاً، يخالف الأدب حتى في
[١] سورة المُلْك: الآيات ١ ـ ٤.
[٢] سورة المُلْك: الآيتان ١٣ ـ ١٤.
[٣] سورة يونس: الآيتان ٣١ و٣٢.