الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٥
التنبيه الأول
آيتان على منضدة التشريح
بعد أن وقفت على الدعائم الأربع الّتي يتحقق معها إعجاز القرآن، فهلّم إلى تحليل آيتين من آياته، نستجلي فيهما حقيقة الإعجاز، ونقف على المزايا الفريدة الموجودة فيهما ـ مضافاً إلى اشتمالهما على الدعائم الأربع ـ فسترى أنّ كل واحدة منهما كافية في إثبات أنّها أعلى من أن تكون مصنوعة للبشر، وإن بلغوا في الفصاحة والبلاغة كلّ مبلغ.
١ ـ أية (يا أرْضُ ابْلَعي)
قال ـ عَزَّ مِنْ قائل ـ : (وَ قِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَ يَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْمَاءُ وَ قُضِيَ الأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[١].
هذه الآية الكريمة من بدائع آيات القرآن الكريم، وهي الّتي أُنْزِلَتْ، فأَنْزَلَتْ قُريشُ معلقاتها السبع عن جدران الكعبة، وهي الّتي شغلت بال باقعة الأُدباء، عبد الله بن المقفع[٢]، وهي الّتي شغلت بال أساتذة البديع، لأنّها
[١] سورة هود: الآية ٤٤.
[٢] روى هشام بن الحكم، قال: اجتمع ابن أبي العوجاء وأبو شاكر الديصاني، وعبد الملك البصري، وابن المقفع، عند بيت الله الحرام يستهزئون بالحاج، ويطعنون بالقرآن فقال ابن أبي العوجاء: «تعالوا ننقض كلُّ واحد منا ربع القرآن وميعادنا من قابل في هذا الموضع، نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كلَّه، فإنّ في نقض القرآن إبطال نَبوَّة محمد، وفي إبطال نبوَّته إبطال الإسلام، وإثبات ما نحن فيه» فاتّفقوا على ذلك وافترقوا.
فلما كان من قابل، اجتمعوا عند بيت الله الحرام، فقال ابن أبي العواجاء: «أمّا أنا فمتفكر منذ افترقنا في هذه الآية (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً) (سورة يوسف: الآية ٨٠)، فما أقدر أن أَظُمَّ إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئاً، فشغلتني هذه الآية عن التفكر في سواها».
وقال عبد الملك: «أنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ) (سورة الحج: الآية ٧٣)، ولم أقدر على الإتيان بمثلها».
فقال أبو شاكر: «أنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا) (سورة الأنبياء: الآية ٢٢)، ولم أقدر على الإتيان بمثلها.
فقال ابن المقفع: «يا قوم إِنّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية (وَ قِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَ يَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْمَاءُ وَ قُضِيَ الأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (سورة هود: الآية ٤٤)، لم أبلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر على الإتيان بمثلها».
قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك إذ مر بهم جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السَّلام ـ فقال: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً) (سورة الإسراء: الآية ٨٨).
فنظر القوم بعضهم إلى بعض، وقالوا لئن كان للإسلام حقيقة لما انتهى أمر وصية محمد إلاّ إلى جعفر بن محمد، والله ما رأيناه قطُّ إلاّ هِبْناه، واقشعرت جلودنا لِهَيْبَتِه. ثم تفرّقوا مُقرِّين بالعجز. (الإحتجاج للطبرسي، ج ٢، ص ١٤٢ ـ ١٤٣، ط النجف الأشرف).