الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٤
الإتيان بكلام فصيح غايتها، وبليغ نهايتها، منضماً إلى روعة النظم، في هذا الأسلوب الخاص المعهود من القرآن، أمر معجز. ولذلك لم تجد طيلة هذه القرون حتى يومنا هذا كلام يناضل القرآن في آياته وسوره.
ونضيف، أنّه ليس هنا مقياس ملموس كالأوزان الشعرية لتبيين حقيقة أسلوب القرآن، وإنّما هو أمر وجداني يدركه كل من له إلمام بالعربية.
ولأجل تقريب المطلب نذكر آية، ثم نذكر مضمونها بعبارة أخرى، فترى أنّ العبارة الثانية بشرية، والأولى قرآنية.
قال سبحانه: (وَ مِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَ يَعْفُ عَنْ كَثِير)[١].
هذا هو الكلام الإلهي.
فلو أراد إنسان أن يصب هذا المعنى بصورة أُخرى، يتغير الأُسلوب، مهما بلغ في الفصاحة والبلاغة من العظمة، فيقال مثلاً:
«ومن أعظم علاماته الباهرة، جري السُفُن على الماء، كالأبنية العظيمة، إن يرد هبوب الريح تجري بها، وإن يرد سكون الريح فتركد على ظهره، أو يرد إهلاكها بالإغراق بالماء فيهلكهم بسيئات أعمالهم. وفي ذلك آيات للمؤمنين».
فانظر الفرق بين الأُسلوبين، والإختلاف في السبكين، مضافاً إلى افتقاد الثانية بعض النكات الموجودة في الآية.
* * *
إلى هنا تمّ الكلام حول الدعائم الأربع الّتي بني عليها صرح الإعجاز، وشيدت أركانه. غير أنّه بقي هنا أمور لا غنى عن الإشارة إليها والتنبيه عليها، لأنّها تقع في طريق تكميل مباحث إعجاز القرآن البياني، وفيما يلي بيانها.
* * *
[١] سورة الشورى: الآيات ٣٢ ـ ٣٤.