الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٢
وبعظان الناس بأفصح وأبلغها، ثم يستشهدان في ثنايا كلامهما بآي من الذكر الحكيم، فعندها يُلمس البون الشاسع بين الأسلوبين، من دون مداخلة شك وريب.
خطَب النبي الأكرم يوم فتح مكة في المسجد الحرام، فقال: «يا معشر قريش إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم خلق من تراب; (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَ أُنْثَى وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)»[١].
وقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، في خطبته المعروفة بالشقشقية: «فما راعني إلاّ والناس كعُرْف الضبع إِليَّ، ينثالون عليّ من كل جانب، حتى لقد وُطئ الحسنان، وشُقّ عِطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم. فلما نهضت بالأمر، نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَ لاَ فَسَادًا وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال ـ عليه السَّلام ـ في كلام له لأصحابه في بعض أيام صفين: «وطيبوا عن أنفسكم نفساً، وامشوا إلى الموت مشياً سُجحاً، وعليكم بهذا السواد الأعظم، والرِّواق المُطَنَّب، فاضربوا ثَبَجَه، فإنّ الشيطان كامن في كِسْرِه، قد قدّم للوثبة يداً، وأخر للنكوص رِجلاً، فصَمْداً صَمْدا، حتى ينجلي لكم عمود الحق; (وأنتم الأعلون، والله معكم، ولن يتركم أعمالكم)[٢].
وقال ـ عليه السَّلام ـ في خطبة له عند ذكر المشبهة: «لم يعقد غَيْبَ ضَميرِهِ على معرفَتِك، ولم يُباشِر قَلْبِهُ اليقينُ بأنّه لا نِدَّ لك، وكأنّه لم يسمع تَبَرُّؤ التابعين من المتبوعين، إذ يقولون: (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)[٣].
[١] السيرة النبوية: لابن هشام، ج ٣، ص ٢٧٣. تاريخ الطبري، ج ٣ ص ١٢٠.
[٢] نهج البلاغة، بتعليق محمد عبده، ص ١١٥.
[٣] نهج البلاغة، بتعليق محمد عبده، ص ١٦٤.