الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢
وتتضح حاجة الإنسان إلى المعرفة بالوقوف على أُمور:
الأمر الأول ـ الهداية التكوينية
إن الموجودات الحية تصل إلى الغايات الّتي خلقت لها، في ظلّ الهداية التكوينية والغرائز المودعة في ذواتها، ولا تحتاج في بلوغها ذلك الكمال إلى عامل خارج عن ذواتها، سوى الإنسان.
إن الإنسان، وإن كان مجهزاً بغرائز ذاتية، إلا أنها غير وافية في إبلاغه الغاية الّتي خلق لها، ولا تعالج إلا القليل من حاجاته الضرورية. ولاجل ذلك ضمّ خالق الإنسان إلى تلك الغرائز، مصباحاً يضي له السبيل في مسيرة الحياة، وفي بحاجاته الّتي تقصر الغرائز عن إيفائها، وهو العقل.
ومع ذلك كله فإن العقل والغرائز غير كافيين أيضا في إبلاغ الإنسان إلى السعادة المتوخاة، بل يحتاج معهما إلى عامل ثالث يعينه في بلوغ تلك الغاية.
ووجه ذلك أن العقل الإنساني غير مصون عن الخطأ والزلل والإشتباه، وذلك لأن عمل العقل إختياري، فإنه يرى أمامه طرقاً متعددة وخطوطاً متفاوته، عليه أن يسلك إحداها ويتجنب بقيّتها، وكثيراً ما يركب الخاطئ منها ويحيد عن الصائب.
الأمر الثاني ـ قصور العلم الإنساني في مجال المعارف الإلهية
إذا كان العقل والغرائز غير وافيين بحّل عامة مشاكل الإنسان، فالعلم الإنساني أيضاً غير كاف فيه، وذلك أن الإنسان رغم التقدم الّذي أحرزه في العلوم الطبيعية، لا يزال في بدايات سلّم هذا العلم، وما أحرزه ضئيل جداً أمام أسرار الكون العظيم. ورغم أن الإنسان تمكّن من معرفة قسم من المعادلات والقوانين الّتي تسير عليها الظواهر الطبيعية والقوى الكونية، إلاّ أنّه لا يعلم أي شيء هي، وما حقيقتها وماهيتها[١].
[١] وقف مرة اينشتاين العالم الكبير، عند درج صغير أسفل مكتبته، وقال: «إنّ نسبة ما أعلم إلى ما لا أعلم كنسبة هذا الدرج إلى مكتبتي. ولو أنصف لقال: أقلّ من هذه النسبة، لما ذكرناه من جهل الإنسان حقائق القوى الّتي يكتشف معادلاتها. لاحظ مجلة رسالة الإسلام، الصادرة عن دار التقريب بالقاهرة، العدد الأول، السنة الرابعة، ص ٢٤، تحت مقالة بعنوان ما نعلم وما لا نعلم للدكتور أحمد أمين.