الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٩
١ ـ تجاذب الكلمات وتعانق الجمل
إنّ القرآن بلغ من ترابط أجزائه، وتماسك كلماته وجمله وآياته، مبلغاً لا يدانيه فيه أي كلام آخر، مع طول نَفَسه، وتنوع مقاصده، وافتنانه وتلوينه في الموضوع الواحد. وآية ذلك أنّك إذا تأمّلت في القرآن الكريم، وجدت منه جسماً كاملاً، تربط الأعصاب والأغشية بين أجزائه، ولمحت فيه روحاً عاماً يبعث الحياة، والحسن، على تشابك وتساند بين أعضائه.
فبين كلمات الجملة الواحدة من التآخي والتناسق ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب. وبين جمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ما جعلها وحدة متآخذة الأجزاء، متعانقة الآيات. ولأجل ذلك يقول سبحانه: (قُرآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج)[١].
والآيات القرآنية، وإن كانت كلّها مظاهر لهذا الإنسجام، كما يلاحظه التالي لها، غير أنا نختار من بينها آية تشع نوراً بين الآيات في حسن الإنسجام وروعة النظم، كأنها سبيكة واحدة، مع طولها، وكثرة جملها، وغزارة معانيها.
يقول سبحانه: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لاَ يُحِيطُونَ بِشَيء مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَ لاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)[٢].
وبما أنّ مسألة الترابط والتآخي في الآيات القرآنية واضحة لمن أمعن فيها، فلذلك نطوي الكلام عن الإكثار فيها، ونعطف نظر الباحث إلى نمط خاص من النظم:
[١] سورة الزمر: الآية ٢٨.
[٢] سورة البقرة: الآية ٢٥٥.