الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٣
العُلْيا، والحقائق السامية، وأقَرَّ بأنّ هذا القرآن: «باطنه عميق»، وأنّ «أعلاه لمثمر، وأسفله لمُغْدق».
* * *
٥ ـ آية تحتمل مليوناً وماءتين وستين ألف احتمال
هناك نمط آخر من عمق المعنى، يغاير النمط السابق منه. وهو أنّه يوجد في القرآن آيات يتردد المقصود منها بين احتمالات تدهش العقول وتحيّر الألباب، وهي بَعْدُ معتمدة على أريكة حسنها، متجملة في أجمل جمالها، متحلية بحليِّ بلاغتها وفصاحتها. ونذكر من هذا النمط نموذجاً واحداً، ونشير في آخر الكلام إلى نموذج آخر:
قال سبحانه: (وَ اتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيَْمانَ وَ مَا كَفَرَ سُلَيَْمانُ وَ لَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَ مَارُوتَ وَ مَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ مَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق وَ لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)[١].
إنّ هذه الآية تحتمل من المعاني الكثيرة ما يدهش الإنسان ويثير إعجابه، وهي ناشئة من كيفية تبيين مفرداتها وجملها. وهذه الإحتمالات يراها المتتبع في كتب التفاسير، وهي:
١ ـ ما هو المراد من الضمير في قوله: «اتّبعوا»، أهم اليهود الذين كانوا في عهد سليمان، أو الذين في عهد رسول الله، أو الجميع؟.
[١] سورة البقرة: الآيتان ١٠٢ و ١٠٣.