الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٢
الناس من يكون واسع الصدر، كامل الإستعداد فيأخذ منه القسط الأكبر، ومنهم من لا يزيدون عن معشار ذلك.
ويُلَوّح إلى ما ذكرنا آيات كثيرة، منها قوله سبحانه: (وَ إِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم)[١].
وقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ هذه القلوب أوعيةٌ، فخيرها أوعاها»[٢].
٤ ـ إنّ الباطل في ثورانه وجولانه في أمده القصير، فرع اعتماده على الحق، واتّخاذه واجهة لأعماله. فلو تجرّد عن الحق بالكلية، لما كان له حتى هذا السهم القصير، كالزبد لا يتجلى إلاّ بركوبه الماء، كما أشار إليه سبحانه بقوله: (فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً)[٣].
٥ ـ إنّ الباطل لا يظهر إلاّ في الأجواء الصاخبة والمجتمعات المتضاربة. كالزبد الّذي لا يظهر إلاّ عند تدفق المياه واجتياحها القنوات الضيقة، فإذا انتهت إلى السهول الفسيحة، زال الزبد شيئاً فشيئاً، ولا يبقى بعده إلاّ الماء الزلال. وكذلك الزبد الناجم عند عملية الصهر، فطالما أنّ المعادن في حالة الغلي والفَوَران يكون الزبد على وجهها، فإذا هدأت النار وتوقف الغليان لم يبق إلاّ المعادن الخالصة.
فهذه بعض التصويرات للمفاهيم القيمة العميقة الّتي جاءت بها هذه الآية المباركة على وجازتها، وكلما تعمّق الإنسان فيها انفتحت له أبواب من المعارف
[١] سورة الحجر: الآية ٢١.
[٢] نهج البلاغة، قصار الكلم، رقم ١٤٧.
[٣] خذ على ذلك شاهداً ما يستتر به الرأسماليون في نهبهم لثروات بلدانهم من الأقنعة الحقة، كإنشاء النقابات لعمّالهم، والضمان الإجتماعي وضمان الشيخوخة والتقاعد، وغير ذلك الكثير. وما تتستر به الحكومات الإستعمارية من عناوين حقة، كرعاية حقوق الإنسان، ونبذ التمييز العنصري، ومكافحة الإرهاب، وحرية الرأي والتعبير، وغير ذلك، وكله لتغطية الوجه القبيح لإرهابهم وامتصاصهم لثروات الشعوب المستضعفة، وتضعيف عقائدهم، والمسّ بمقدساتهم...