الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٠
والباطل كالزبد والفقاعات الّتي تعلو هذه الأتربة حال غليانها، الّتي سرعان ما تنفجر وتتبخر.
فالصورة العامة الّتي يعطيها هذا المثل، ترسيم ثبات الحق ودوامه بتشبيهه، بالماء النازل من السماء، الجاري في الأودية والوهاد، الغائر في أعماق الأرض، ثم الظاهر، بصورة العيون والينابيع، الّتي تستفيد المخلوقات منها في دوام حياتها. وبالمعادن المذابة، الراسبِ خالصها في أعماق الأفران، الّتي يستفيد منها الناس في زينتهم وأمتعتهم.
وكذلك ترسيم سرعة أفول الباطل بعد نجومه بتشبيهه بالزبد الّذي يرغو فوق الماء، والمعادن المنصهرة، الّذي يتصوره الجاهل شيئاً ثابتاً قائماً، ولكن ما أسرع اختفاءه وزواله، فلا يرى منه عين ولا أثر.
وعلى ذلك فللحق ثبات ودوام، وللباطل جولة زوال.
ومع هذا، ففي هذا المثل معان عميقة، وإشارات دقيقة إلى مكانة كل من الحق والباطل، نشير إلى بعضها:
١ ـ إنّ الحق والباطل يتمثّلان في مجال العقيدة، في الإيمان والكُفر، والعدْل والظُلم.
فبالإيمان بالله تبارك وتعالى تحيا القيم الأخلاقية، كما أنّ بالكفر موت المُثل والفضائل وانعدام الكمالات الإنسانية.
ومثل ذلك العدل والظلم، ففي ظِلّ العدل تتفجّر الطاقات وتترقى المجتمعات، وينال كل إنسان الغاية الّتي يليق بها، كما أنّ في الظُلم كبت الإستعدادات، وتقديم المفضول وتأخير الفاضل، ولن يزال المجتمع الظالم يتدهور إلى أن لا يرى له أثر.
فأشبه الإيمان والعدل، الماء الّذي به حياة كل شيء، وخالص المعادن المترسب في قعر أفران الصَّهْر، إذ عليها تعتمد حياة الإنسان الدنيوية، وتترتب المنافع الكثيرة، قال سبحانه: (وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَافِعُ