الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٧
وأين للريشة في ترسيم هذه لو أريد تصويرها بالألوان، وإلى أين للعدسة لو أريد تصويرها بالحركات.
بل اين هي الريشة، وأين هي العدسة، الّتي تستطيع أن تبرز هذه الظلمات: (فِي بَحْر لُجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا)؟. أو تصوّر الظمآن يسير وراء السراب: (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً)، ووجد مفاجأة عجيبةً لم تكد تخطر له على بال، وجد الله عنده، وفي سرعة خاطفة تناوله، فوفّاه حسابه.
٥ ـ وَمِنْ هذا الوادي تصوير معنى الضلال بعد الهدى. وضياع الجهد معه سدى، تلك الصور المتتابعة الّتي يجيش بها الحسّ والخيال، وتحيى بها النفس، يقول سبحانه:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَ مَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لاَ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهِمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)[١].
إنّ هنا مشهداً من الصور المتتابعة في شرائط متحركة; هؤلاء هم قد أوقدوا النار فأضاءت، وفَجأة يذهب الله بنورهم ويُخَيِّم حولهم الظلام. أو ها هي ذي العاصفة صَيّبٌ من السماءِ فيه ظلمات ورعد وبرق، وهؤلاء هم مذعورون يتوقعون الصاعقة، ويخافون الموت، فيجعلون أصابعهم في آذانهم، وما تغني الأصابع في الآذان، ولكنها حركة الغريزة في هذا الأَوان. وها هو ذا البرق يخطف الأبصار ولكنه ينير الطريق لحظة، فهم يخطون على ضوئه خطوة، وها هوذا ينقطع فيظلّون واقفين لا يدرون كيف يَخْطون.
[١] سورة البقرة: الآيات ١٦ ـ ٢٠.