الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٧
الناس، مقدّماً الأعزّ فالعزيز. فما هو الوجه في هذا التقديم والتأخير؟.
الجواب: إنّ الآية الأُولى تصُوّر مشهد الفرار من العذاب والبلاء، والآية الثانية تمثّل مشهد دفع العذاب عن النفس.
ففي المقام الأول يتخلّى الإنسان عن العزيز فالأَعزّ، حتى لا يبقى معه شيء يمكنه أن ينخلع عنه لينجو بنفسه. فلأجل ذلك بدأ في الآية الأُولى بالأخ، فالأُم، فالأَب، فالصاحبة، فالبنين.
وأمّا في المقام الثاني، فالإنسان فيه حالة الإفتداء من العذاب الشديد الرهيب، ففي هذا الحال يفدي بعض جوارحه ببعض ليدفع عنه لهيب جهنم. فإن لم ينجع، يتناول للوقاية أَقرب شيء وأحبّه إليه لعلّه ينجو، وهم البنون، فالصاحبة، فالأخ.
فصار الموقفان مختلفين متباينين، فالحالة الأُولى تمثّل حركة فرار، والثانية تمثّل حركة دفاع من خطر داهم. وهذه النكتة، أوجبت اختلاف النظم بين الآيتين، وعليها جرى قول الشاعر:
ألقى الصحيفةَ كي يُخَفِّفَ رَحْلَهُ والزادَ حتى نَعْلَهُ أَلقاها
فإنّ النعل للمسافر الراجل في الصحراء، أعز الأشياء. وبما أنّ الموقف موقف حركة فرار، إبتدأَ بالقاء العزيز فالأعز حتى وصل إلى النعلين.
٣ ـ يقول سبحانه: (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً)[١]. فَقَدَّمَ الجهادَ بالأَموالِ على الجهادِ بالأنفس في مَوْردين من هذه الآية.
ويقول سبحانه في آية أخرى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
[١] سورة النساء: الآية ٩٥.