الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٤
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَ وَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنى).
هذه الآيات تبث في نفس الرسول الطمأنينة، وتثبت قلبه، بإلفاته إلى ما أسبغه الله عليه في أولاه، من نِعَم: كان يتيماً، فآواه، ووقاه مسكنة الُيتْم، وكان ضالاًّ، فهداه تعالى إلى دين الحق[١] وكان عائلاً فأغناه الله بفضله وكرمه. أفما يكفي هذا ليطمئن كلُّ أحد إلى أنّ الله غير تاركه ولا قاليه؟ وهل تَرَكَه حين كان صبياً يتيماً متعرضاً لما يتعرض له اليتامى من قهر وضياع؟ وهل قلاه حين كان ذا عيلة؟ كلا، لا.
واليتيم مظنة الضياع والقهر، قال سبحانه: (وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ)[٢]. وقد وجد الله محمداً يتيماً عائلاً، فأعفاه سبحانه من تلك الآثار البغيضة، وحفظ جوهره من الآفات الّتي كان معرَّضاً لها بحكم يتمه وعيلته، وبذلك تمّ فيه الإستعداد النفسي لتلقّي الرسالة الكبرى، الّتي بعث بها ليقي الناس من المذلَّة والضلال.
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).
أتى بكلمة: «فلا تقهر»، مع أنّ في وسعه أن يستخدم كلمة أُخرى، نحو: «فلا تظلم»، «فلا تمنع حقه» وغيرهما، وذلك لأنّ في عبارة: «فلا تقهر»، معنى أعمق وأدق ممّا يفيده ذانك اللفظان ومشابههما، إذ يجوز أن يقع
[١] المراد من الضلال، هو الضلال الطبيعي العام، فكل إنسان ضال بالطبع، ويخرج منه بهداية من الله سبحانه، فليست الآية دليلاً على أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان ضالاًّ غير عارف بالله في فترات من عمره، ثم هداه الله سبحانه. وليس الضلال مرادفاً للكفر. بل هو بمعنى عدم الإهتداء إلى الصواب. وقد رموا يعقوب بالضلال كما في قوله سبحانه: (تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ) سورة يوسف: الآية ٩٥. وليس الضلال هناك كفراً، وإنمّا هو الشغف بيوسف. وقالت النسوة في إمرأة العزيز ويوسف (قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَل مُبِين) سورة يوسف: الآية ٣٠.
[٢] سورة النساء: الآية ٩.