الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٥
دعائم إعجاز القرآن
(٢)
البلاغة: جمال العرض وسمو المعنى
قد وقفت، في التعريف الفنيّ للبلاغة على أنّها عبارة عن خروج الكلام مطابقاً لمقتضى الحال. فلو كان المقام مقتضياً للتأكيد أو الإطلاق، وذكر المسند والمسند إليه أو حذفهما، والإيجاز أو الإطناب، وغير ذلك، جاء الكلام مطابقاً له. وقد أسهب علماء المعاني في تبيين مقتضيات الأحوال، على وجه لم يدعو لقائل مقالاً.
وقد اهتمّ بعض من كتب في الإعجاز، بأمر البلاغة أزيد من غيرها. حتى أنّ الخطابي قال: «وذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أنّ وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة، ولكن صعب عليهم تفصيلها»[١].
غير أنّا ركّزنا على أنّ البلاغة بهذا المعنى، ترجع إلى عرض المقصود بشكل مطلوب، ومفيد في تحقق غرض المتكلم، ولكنه لا يكفي في توصيف الكلام بالبلاغة ما لم يضم إليه قيد آخر، وهو كون المعنى سامياً ورفيعاً، وقابلاً للذكر والإفادة، وإلاّ فالمعاني المبتذلة، وإن أُلبست أجمل الحُلي، وعرضت بشكل يقتضيه الداعي إلى التكلم، لا توصف بالبلاغة، وعلى فرض صحة التوصيف، لا يكون مثل ذلك الكلام أساساً للإعجاز، ولا دعامة له. ولأجل ذلك قلنا إنّ
[١] ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، الرسالة الأولى للخطابي، ص ٢١.