الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٣
جهابذة الأدب على أنّه فارس ميدان البيان، وبطل حلبته ـ قوله في وصف الإنسان:
«أمْ هذا الّذي أنشأه في ظُلُماتِ الأَرحام، وشُغُف الأَستار، نُطْفَةً دهاقاً، وعَلَقَةً محاقاً، وجنيناً، وراضعاً، ووليداً، ويافعاً. ثم منحه قلباً حافظاً، ولساناً لافظاً، وبصراً لاحظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، ويُقَصِّرَ مُزدجراً. حتى إذا قام اعتدالُه، واستوى مثالُه، نَفَرَ مُسْتكبراً، وخَبَطَ سادِراً، ماتحاً في غَرْبِ هواه، كادحاً سعياً لدُنياه، في لذات طَرَبِه، وبَذواتِ أَرَبِه»[١].
فإنّ هذه القطعة من خطبه ـ عليه السَّلام ـ سبيكة مرصّعة بيواقت الكلم، ومعالي معاني الحكم، معدودة من مدهشات كلامه، وقد توفرت فيها جوامع وجوه الحسن. ومع ذلك، فأين هي من الكلام الإلهي المعجز، الّذي إذا جعلته إلى جنب هذا الكلام، ظهر بكل وضوح أنّه ليس من كلام البشر.
لاحظ قوله تعالى: (وَ اللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الأَبْصَارَ وَ الأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[٢].
أو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَ غَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئًا وَ تَرى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)[٣].
هذا فيما يرجع إلى الدعامة الأولى لإعجاز القرآن. ويشير النبي الأعظم في كلمة له في تعريف القرآن إلى هذه الدعامة والدعامة التالية:
[١] نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
[٢] سورة النحل: الآية ٧٨.
[٣] سورة الحج: الآيتان ٥ و ٦.