الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦٩
رَمَتْني وسِتْرُ الله بيني وبينّها * عشيةَ آرامِ الكِناس رَميمُ[١].
ولأجل دخالة عذوبة الكلمة وتلاؤم الكلمات في تحقق الفصاحة، أدرك صيارفة الكلام، ومشاهير الفصحاء في عصر النبي ما عَبّر عنه الوليد بن المُغيرة بقوله: «إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة».
يقول الإمام يحيى بن حمزة في شأن تركيب مفردات الألفاظ العربية، الّذي له دور كبير في فصاحة الكلام: «ولا بُدَّ فيه من مراعاة أمرين:
أمّا أولاً: فأن تكون كلّ كلمة منظومة مع ما يشاكلها ويماثلها، كما يكون في نظام العقد، فإنّه إنّما يحسن إذا كان كل خرزة مؤتلفة مع ما يكون مشاكلاً لها. لأنّه إذا حصل على هذه الهيئة كان له وقع في النفوس وحسنُ منظر في رأي العين.
وأمّا ثانياً: فإذا كانت مؤتلفة، فلا بدّ أن يقصد ما وضع لها بعد إحراز تركيبها.
والمثال الكاشف عمّا ذكرناه، العقد المنظوم من اللئالي ونفائس الأحجار، فإنّه لا يحسن إلاّ إذا أُلّف تأليفاً بديعاً، بحيث يجعل كل شيء من تلك الأحجار مع ما يلائمه. ثم إذا حصل ذلك التركيب على الوجه الّذي ذكرناه، فلا بدّ من مطابقته لما وضع له، بأن يجعل الإكليل على الرأس، والطَوْق في العنق، والشنف في الأُذن، ولو ألّف غير ذلك التأليف، فلم يجعل كل شيء في موضعه، بَطَلَ ذلك الحُسن. وزال ذلك الرونق»[٢].
مثلاً: قوله سبحانه: (وَ مِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ)[٣].
إنّ لهذه الآية تمّيزاً ذاتياً عن كلام البشر، لا يتمارى فيه منصف، ولا يشتبه على من له ذوق في معرفة فصاحة الكلام. وذلك التميز رهن فصاحة أبنيتها،
[١] هذا البيت لأبي حية النُمَيْري من شُعراء الحماسة، لاحظ شرح الحماسة للتبريزي، طبع محيي الدين، ج ٣، ص ٢٦٩.
[٢] الطراز، ج ٣ ص ٢٢٥ ـ ٢٢٦.
[٣] سورة الشورى: الآية ٣٢.