الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥٤
بها، فمشى إليه رجال من قريش وكان الطفيل رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً، فقالوا له: «يا طُفيل إنّك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الّذي بين أَظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرّق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنّما قوله كالسحر، يفرّق بين الرجل وأبيه، وبينه وأخيه وزوجته، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما دخل علينا، فلا تكلِّمَنَّه، ولا تَسْمَعَنَّ منه شيئاً».
يقول الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أَجْمَعْتُ أَن لا أسمع منه شيئاً ولا أَكلَّمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفاً، فَرَقاً من أَنْ يَبْلُغني شيء من قوله، وأنا لا أُريد أَنْ أَسمعه.
قال: فغدوت إلى المسجد، فاذا رسول الله قائم يصلي عند الكعبة.
قال: فقمت منه قريباً فأبى الله إلاّ أن يُسْمِعني بعض قوله فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي: «واثكل أُمّي، والله إنّي لرجل لبيب، شاعر، ما يخفى عَلَيّ الحَسَن من القبيح، فما يمنعني أن أَسمع من هذا الرجل. فإن كان الّذي يأتي به حسناً قَبِلته وإن كان قبيحاً تَرَكْتُه. فمكثت حتى انصرف رسول الله إلى بيته، فاتبعته، حتى إذا دخل بيته، دخلت عليه، فقلت:
«يا محمد إنّ قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوّفونني أمرك حتى سددت أُذُنَيَّ بكُرسف، لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلاّ أن يسمعني قولك، فسمعته قولاً حسناً، فاعرض عَلَيَّ أمرك».
قال: فعرض عَلَيَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الإسلام وتلا عَلَيَّ القرآن. فلا والله ما سمعت قولاً قطّ أحسن منه ولا أمراً أعدل منه.
قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق[١].
وممّا نقل في هذا المجال أنّ الأعشى، أحد شعراء العرب، الطائر الصيت، بلغ إليه الإسلام، فخرج يريده، فمدح النبي بقصيدة أدرج فيها كثيراً من تعاليم الإسلام، مستهلها:
[١] السيرة النبوية، لابن هشام، ج ١ ص ٣٨٢ ـ ٣٨٣.