الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥٣
فهؤلاء ثلاثةٌ من بُلغاء قريش وأَشرافهم وهم أبو سفيان بن حرب، وأبو جهل بن هشام، والأخنس بن شريق، خرجوا ليلة ليستمعوا كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو يصلّي من الليل في بيته، فأخذ كلُّ رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكلٌّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر، تفرّقوا، فجمعهم الطريق فتلاقوا وقال بعضهم لبعض: «لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً» ثم انصرفوا.
حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كلُّ رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثلما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا.
حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كلّ رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: «لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود»، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرّقوا[١].
فلو كان القرآن كلاماً، يشبه كلام الإنس ويوازنه ويعادله، لم يكن هناك أي وازع لهؤلاء الصناديد الذين يعدّون في الطليعة والقمة من أعداء النبي، أن يهجروا فرشهم، ويُقلوا دفء دُثُرهم، ويبيتوا في الظلام الحالك على التراب، حتى يستمعوا إلى كلامه ومناجاته في أحشاء الليل في صلاته ونسكه، وما هذا إلاّ لأنّ القرآن كان كلاماً خلاّباً، لعذوبة ألفاظه وبلاغة معانيه، رائعاً في نظمه وأُسلوبه، لم يكن له نظير في أوساطهم، ولا في كلمات بُلَغائهم وفُصَحائهم، وهم الفُصحَاء والبُلغاء ومن يشار إليهم في تلك العُصور.
ومن الحبائل الّتي سلكوها لصدّ تأثير القرآن، منع متشخصي المشركين من لقاء الرسول، خصوصاً من كان لإسلامه تأثير خاص في إيمان قومه بدين الرسول.
ومن تلك الشخصيات الطفيل بن عمر الدوسي، فقد قدم مكة ورسول الله
[١] سيرة ابن هشام، ج ١، ص ٣١٥.