الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥١
فلما سمع أسعد، قال: «أشهد أن لا إله إِلاَّ الله، وحده لا شريك له، وأَنَّكَ رسولُ الله. بأبي أنت وأُمّي، أنا من أَهل يثرب ومن الخزرج، وبَيْنَنا وبَيْنَ إخواننا من الأَوس حبال مقطوعة، فإنْ وصلها الله بك، فلا أجد أعزّ منك، ومعي رجل من قومي، فإنْ دخل في هذا الأمر، رجوت أن يُتِمَّ الله لنا أمرنا فيك... فالحمد لله الّذي ساقنا إليك، والله ما جئت إلاّ لنطلب الحلف على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل ما أتيت له».
ثم أقبل زكوان، فقال له أسعد: «هذا رسول الله الّذي كانت اليهود تبشرنا به، وتخبرنا بصفته، فَهَلُمّ فأَسلم».
فأَسلم زكوان. ثم قالا: «يا رسول الله، إبعث معنا رجلاً يعلمنا القُرآن، ويدعو الناس إلى أَمرك».
فأمر رسول الله معصب بن عُمير ـ وكان فتى حدثاً مُتْرَفاً بين أَبويه، يكرمانه ويفضلانه على أولادهم، ولم يخرج من مكة، فلما أسلم جفاه أبواه، وكان مع رسول الله في الشعب حتى تغير وأصابه الجهد، وقد كان يعلم من القرآن كثيراً ـ أمره بالخروج مع أسعد وزكوان، فخرج معهما إلى المدينة، وقدما على قومهما وأخبراهم بأمر رسول الله وخَبَره، فأجاب من كلّ بطن، الرجل والرجلان[١].
ترى أنّ سماع الآيتين يصنع من الكافر الوثني مسلماً موحّداً، شهماً هماماً، يفدي بنفسه وماله في طريق دينه، وما ذاك إلاّ لتيقّنه من أنّ القرآن كلام سماوي خارج عن طوق قدرة البشر. وقد كان النصر حليف بعيث رسول الله، وما كان ذاك، إلاّ لأنّه كان يقرأ ما نزل من القرآن وَحَفِظَهُ، حتى أنّ أُسيد بن الحضير رئيس الخزرجيين ـ لما سمع منه قوله سبحانه: (حَم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيّاً لِقَوْم يَعْلَمُونَ..)[٢]، ظهرت أَمارات الإيمان في وجهه، فبعث إلى منزله من يأتيه بثوبين طاهرين، واغتسل،
[١] اعلام الورى لاعلام الهدى ن ص ٣٧ ـ ٣٨.
[٢] الآيات من أول سورة فصلت.